مقالات

أيهما أولى : بناء مسجد أم مستشفى؟

بقلم:  حسين الرواشدة
يوجد في بلدنا نحو سبعة آلاف مسجد ، بمعدل مسجد واحد لكل ألف مواطن ، وتقول وزارة الأوقاف بأن المعدل السنوي لبناء المساجد يبلغ (200) مسجد في السنة ، هذا بالطبع يعكس اهتمام الموسرين “بالتبرع” والتطوع لبناء المساجد ، تعبيرا عن “حالة” التدين المتصاعدة ، وتجسيدا لمفهوم العبادة التي اختزلت – للأسف – في هذا الجانب دون غيره.

بوسعنا أن نسأل : كم يبلغ عدد دور الأيتام في بلادنا ، وما هو حجم “الوقف” الإسلامي في مجالات مثل: التعليم والصحة ، ولماذا لا يقبل “الواقفون” على التطوع لبناء “دار سينما” إسلامية ، أو مسرح إسلامي ، أو – حتى – مأوى للفقراء ومجهولي النسب أو مدارس وجامعات ومستشفيات.. ؟؟ لماذا تذهب الأموال – معظمها – لبناء المساجد مع أن لدينا فائضا فيها ، ومع أن الصلاة – بالنسبة للمسلم – تجوز في أي مكان وصعيد ، ومع أن الهدف من “البناء” والعمران هو الإنسان لا المساجد ، فيما يتردد إخواننا الموسرين – ونحن أيضا من مستوري الحال – في دفع الصدقات أو التبرع بما زاد من مال ، لإقامة ما يحتاجه مجتمعنا من مؤسسات أو مصانع منتجة أو دور رعاية للمكفوفين أو غير ذلك من المجالات التي نفتقدها ونحتاج إليها (لا تقل إن ذلك مسؤولية الدولة فالجميع مسؤول أيضا).
هنالك – بالطبع – أسباب كثيرة من أهمها أننا نمارس نمطا من “التدين المعكوس” الذي تغيب فيه عنا مسألة ترتيب الأولويات ، فنحن نتعبد ونتقرب إلى الله تعالى بأمور محددة ، ونعتقد أنها – وحدها – تختزل مفهوم العبادة ، فيما الحقيقة أن كل عمل صالح عبادة ، وان قبوله وجزاءه مرتبط بما يقدمه من خدمة للناس ، وبالتالي فان بناء مدرسة أو جامعة أو دار للأيتام هي عبادة ، واحسب أنها أقرب إلى الله تعالى من بناء “مسجد” خاصة إذا كان لدينا وفرة في المساجد.. وندرة وحاجة إلى هذه المرافق.
من الأسباب – أيضا – أن “الواقفين” والموسرين لا يثقون بنظام وإدارة الوقف ، وأن اندفاعهم إلى بناء المساجد ، لا غيرها من مرافق المجتمع ، هو من باب “الاحتياط” والاطمئنان إلى أن أموالهم تذهب في الطريق الصحيح ، حيث إن المساجد آمنة من التدخل ومن سوء الإدارة ، فيما يبقى غيرها معرضا لأنواع شتى من الشكوك والتدخلات.
من الأسباب – أيضا – أن فقه العمل الخيري قد تراجع كثيرا ، وان فهم الناس ومعرفتهم بمجالاته وأولوياته وأنواعه ما زال متواضعا ، الأمر الذي اختزل هذا “الجهد” في بناء المساجد على حساب باقي المجالات مع أهميتها وأفضليتها أيضا.
ومن الأسباب أن خطابنا الدعوي ما زال يقدم للناس “ثواب” بناء المساجد على انه “الأفضل” والأقرب إلى طاعة الله ونيل مرضاته ، فيما لا يشير – إلا في حالات استثنائية – إلى إن “ثواب” إغاثة ملهوف ، أو إقامة مصنع ، أو تعويض أرباب البيوت عما يكسره الخدم لديهم (وهذا كان مجالات من مجالات الوقوف في تجربتنا الإسلامية) لا يقل ثوابا عن بناء مسجد.
ثمة – بالطبع – أسباب أخرى ، لكن المهم أن نشيع لدى إخواننا الواقفين والموسرين ثقافة “الوقف” في أنشطة منتجة ، ومجالات حيوية أخرى ، وان نضع بناء المساجد – الآن – في درجة ثانية وراء مجالات أخرى يحتاجها مجتمعنا ، خاصة وان الآخرين الذين اخذوا منا هذه التجربة (أمريكا مثلا) قد فهموا المسألة وطبقوها أفضل منا ، فالجامعات الأمريكية كلها – مثلا – قامت على أساس نظام الوقف.. وفي بلدان أخرى ثمة مستشفيات ومؤسسات خدمية وإنتاجية تقوم على هذا الأساس.
اعتقد – والله أعلم – أن بناء دار للأيتام أو إقامة مستشفى للسرطان أو بنك طعام للفقراء أو – حتى – دار للسينما الإسلامية مقدم – اليوم – على بناء المزيد من المساجد إذا كانت المسألة تستدعي ترتيب الأولويات.. وإذا كان إخواننا الموسرين يريدون أن يتعبدوا بأموالهم طلبا لرضى الله تعالى وخدمة الناس ذلك أن أقربنا إلى الله أكثرنا نفعا لعباده.. وأي نفع اكبر من معالجة مريض أو تعليم طالب فقير أو سد عوز أسرة مستورة ، أو مساعدة شاب على الزواج أو غير ذلك من أبواب الخير التي يحتاجها مجتمعنا ، هذه المجالات كلها بمثابة “مساجد” نتعبد بها ودورها لا يقل عن دور المسجد الذي نصلي فيه.
هذه – بالتأكيد – ليست دعوة لوقف بناء المساجد – معاذ الله – وإنما للالتفات إلى مجالات أخرى ، وتوزيع “صدقاتنا” وأموالنا على أنشطة تضمن عمارة الدنيا.. والآخرة أيضا.
المصدر: صحيفة الدّستور الأردنيّة ـ 25/ 9/ 1431

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى