دور الوقف الإسلامي في التنمية 2 -2
المصدر: أحمد عبد المجيد
الوقف ليس من التعبديات التي لا يُعقل معناها، بل هو من معقول المعنى، أو المصلحي، وهو من نوع الصدقات والصلات والهبات؛ ففيه ما فيها من سد الخلات. فالوقف معقول المعنى مصلحي الغرض.
وقد ترتبت عليه مصالح واضحة للعيان بالنسبة للأفراد، وكذلك أيضا بالنسبة للأمة (مرافق عامة، مؤسسات تعليمية وثقافية، …).. ويمكن ملاحظة اعتبار المصلحة وتأثيرها في المظاهر التالية: وقف أموال منقولة لا يمكن الانتفاع بها دون استهلاك عينها كوقف النقود والطعام للسلف، أو النقود للمضاربة والاستثمار. وهذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد؛ فكثير من أصحابه منعوا وقف الدراهم والدنانير.
أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف بالمعاوضة والتعويض والإبدال والاستبدال والمناقلة.
مراعاة المصلحة في الإبدال والمعاوضة، والتصرف في غلة الوقف بإنشاء أو مساعدة وقف آخر على سبيل البت، أو سبيل السلف، واستثمار غلته لتنميته.
تغيير معالم الوقف لمصلحة أو التصرف في الوقف بالمصلحة مراعاة لقصد الواقف المقدر بعد موته: وهو ما ذهب إليه بعض المتأخرين من علماء المذهب المالكي، من اعتبار قصد الواقف المقدر بعد موته، لإحداث تصرف في الوقف للمصلحة يخالف ألفاظه.
استقراء النصوص
إن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يحيف كما تبين باستقراء النصوص، وأن ميزانها هو ميزان العدل الذي لا يجور، لكن لا توجد -في الغالب- مصلحة محضة عَرِية عن مفسدة أو ضرر من وجه، وقد أوضح ذلك أبو إسحاق الشاطبي خير إيضاح، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وكذلك المفسدة. والغالب كالمحقق.
وتحرير المصلحة المعتبرة التي يمكن أن تؤثر في الوقف: أنها مصلحة غالبة عادة، يُطلب جلبها شرعا. أو مفسدة غالبة عادة، يطلب درؤها شرعا. فإذا لم يقع تحقق غلبة المصلحة على المفسدة فإن الإبقاء على أصل الثبات في الوقف مُسَلم الثبوت، فليست كل مصلحة عارضة يمكن أن تزعزع أركان الوقف أو تَصرف ألفاظ الواقف عن مواضعها أو تحرك الغلات عن مواقعها.
والخلاصة أننا يمكن أن نجزم باعتبار المصلحة في استثمار الأوقاف، مع المحافظة على الديمومة؛ مما يُمكن من إعداد برامج الاستثمار المراعية للناحيتين: الشرعية والمصلحية، ويحافظ على الموازنة الدقيقة بين انفتاح الوقف لمقتضيات المصالح الراجحة المحققة أو المظنونة، وبين الإبقاء على الوقفية التي تتمثل في بقاء العين أو ما يقوم مقامها في المحافظة على طبيعة الانتفاع للمستفيد من الوقف بحيث لا تَكُر مراعاة المصلحة بالإبطال على أصل الديمومة والجريان المستمر اللذين يمثلان أساس الحكمة التي تميز الوقف عن غيره من الصدقات والهبات.
منافع عديدة
ويعتبر الوقف الإسلامي أحد التشريعات التي تحقق المصلحة للمجتمع الإسلامي، وعليه فقد ندب الإسلامُ المسلمينَ لفعله لما فيه من مصالح جمة، ومنافع عديدة، وفوائد تعود على المجتمع بالخير الكثير، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) سورة البقرة: الآية: 267 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) رواه أبو داود والترمذي والنسائي. والوقف يعتبر من الصدقات الجارية، التي يدوم ثوابها بعد موت صاحبها، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف.
وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضاً بخيبر ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، قال فتصدق بها عمر أنه لا يباع (أصلها) ولا يوهب ولا يُورَث، وتصدَّق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متمول) رواه البخاري في الشروط، ومسلم في الوصية، والترمذي في الأحكام .
والوقف من الخصائص التي انفرد بها الإسلام، ودعا إلى تطبيقها حرصاً منه على زيادة أعمال البر والإحسان من المسلمين، تقرباً إلى الله تعالى، وتوثيقاً للعلاقات فيما بين الناس جميعاً داخل المجتمع الإسلامي، فأجاز الوقف على الفقراء والأغنياء، والأقرباء والغرباء، والمسلمين وغيرهم من أهل الذمة، الذين يعيشون داخل المجتمع الإسلامي بشروط ذكرها فقهاء المسلمين، وفتح الباب واسعاً لكل الناس أن يُوقفوا من أموالهم نصيباً يُنفق في وجوه الخير.
ويبدو أثر الوقف الكبير في نشر العلم والدعوة الإسلامية عبر القرون، فما كان من أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر على الوقف إلا أوقف. ثم كان للوقف أثره المشهود عبر القرون في الحفاظ على المدارس والمكتبات الإسلامية وسائر حاجات المجتمع المسلم، وشهد التاريخ والواقع بأن العمل المؤسسي غالباً ما يكون أصوب منهجاً وأكثر استقراراً وأقوى أثراً في تحقيق المراد، ولا يشك أحدٌ في أن مثل هذا العمل يحتاج إلى مصادر مالية وافرة لتشد من أزره، وتدير عجلة مشروعاته وبرامجه، وتترجم آماله إلى أعمال، وأفكاره إلى واقع.. الأمر الذي ظهر للجميع أن الاعتماد فيه على التبرعات وحدها لا يحقق الغرض المنشود، وربما عرَّض العمل للقصور أو هدده بالتوقف، بل لربما اضطرَّ الأمر كثيراً من الهيئات والمؤسسات إلى أن تغلق أبوابها، وأن توقف مشروعاتها وبرامجها، ناثرةً عِقداً بدأت حبَّاته تجتمع.
المصدر: صحيفة البيان الإماراتية ـ 25/ 5/ 1432