فقه الوقف

استبدال الوقف وإبداله

بقلم الدكتور سيف البوسعيدي
من مسائل الوقف التي كانت مداراً للخلاف بين فقهاء الإسلام، مسألة استبدال الوقف. ويُقصد باستبدال الوقف:” بيع عين من أعيان الوقف وشراء أخرى لتحل محلها ” ، ويُقصد بالإبدال: ” مقايضة عين موقوفة بعين أخرى ” ، بمعنى أخذ شيء بدل شيء أخر رأساً برأس، وهذا ما يُطلق عليه في كتب الفقه بالمقايضة.

وقد اختلف العلماء في موضوع استبدال الوقف وإبداله إلى فريقين: الفريق الأول يقول: لا يجوز استبدال الوقف، وخصوصاً الثابت منه مثل الأراضي والمباني وقد ذهب إلى ذلك بعض فقهاء المالكية والشافعية، وهو قول جمهور المتقدمين من علماء الإباضية، حيث يقول الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي: ” وأما الوقف فلا يجوز بيعه على حال كذا عرفناه في كتب الأولين، وفي كلام أبي نبهان في المتأخرين لا يجوز بيع الوقف، ولا القياض به “.
ويقول الإمام مالك: ” لا يباع العقار المحبس لو خرب “، وعلى هذا لا يجوز عند المالكية استبدال الموقوف إذا كان عقاراً وله غلة إلا للضرورة كتوسيع مسجد، أو طريق عام، أو مقبرة، وقد استدلوا على ذلك بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وسّع للحاجة، وأُدخل فيه دور موقوفة كانت قريبة منه، ولم يعارض في ذلك أحد من أهل الاجتهاد الموجودين في ذلك الوقت.
ويقول الماوردي من الشافعية: ” وهكذا الوقف إذا خرب لم يجز بيعه ولا بيع شيء منه… فأما دابة الوقف فيجوز بيعها والاستبدال بثمنها، والفرق بينها وبين ما خرب من الموقوف: أن ما خرب قد يرجى عمارته، ويؤمل صلاحيته، فلم يجز بيعه، والدابة إذا أُعطبت لم يرج صلاحها، ولم يؤمل رجوعها “. وأم الفريق الثاني فيقول: يجوز استبدال الوقف، وقد أفتى كثير من علماء الإباضية المتأخرين وقرروا جواز الاستبدال، فالإمام محمد بن عبد الله الخليلي والأمير عيسى بن صالح الحارثي، والشيخ خلفان بن جميل السيابي قد حكى قولي الجواز والمنع في كتابه سلك الدرر الحاوي غرر الأثر.
وكذا مفتي العصر سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عمان، فإنه يفتي بجواز الاستبدال، حيث يقول في إحدى فتاواه: ” تراعى في الأوقاف مصالحها، لأن حكمها حكم الأيتام، وقد قال تعالى: ( وَيَسَلُونَكَ عَنِ ٱليَتَـمَى قُل إِصلَاحٌ لَّهُم خَيرٌ) فإن كان أهل الصلاح والأمانة والخبرة في شؤون الأموال يرون أن مصلحة الوقف في بيع هذه الأرض فلا مانع من ذلك على رأي بعض العلماء وهو الذي نعتمده، شريطة أن يكون البيع بسعر عادل، وأن يتم على أيدي الأمناء ذوي الخبرة في مصالح الأموال، وأن يعوّض عنها ما هو أجدى نفعاً، وأكثر قيمة من الأصول التي تدرّ ريعاً على الوقف. والله أعلم “.
وقد ذهب الحنابلة في جواز استبدال الوقف وبيعه إلى أبعد من استبدال الأراضي والعقارات الموقوفة، إلى القول بجواز بيع المسجد إذا خرب “. وقد استدلوا على ذلك بأن ” عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نُقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصلى”، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أمر ” بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وصار الأول سوق التمّارين للمصلحة الراجحة، لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد، فإنه لم يتعطل نفعها، بل ما زال باقياً “.
وقانون الأوقاف العماني في مادته رقم (25) قد نص على ” يجوز أن يستبدل الوقف بمثله إذا اشترط الواقف ذلك لنفسه أو لغيره، فإذا استحال إصلاح أو أعمار أو الانتفاع بالوقف أو صار ريعه لا يفي بمؤونته فإن للوزارة بيع الوقف وشراء عين آخر بثمنه “وهذا هو توجه جمهور العلماء في الاستبدال، ولكن القانون كما نرى قد جعل صلاحية البيع للوزارة.
والخلاصة مما سبق إن أغلب الباحثين المعاصرين الذين تناولوا موضوع استبدال أموال الوقف بالمناقشة والتحليل، والوقوف على آراء كل فريق وأدلته قد رجحوا القول بجواز الاستبدال، وهو قول جمهور العلماء، وهو ما يرجحه الباحث، إذ مصلحة الوقف هي الغاية المقصودة من الاستبدال، فلا يمكن ترك الأموال الموقوفة خربة متهالكة مع وجود السبيل السوي الذي ينقذها مما هي عليه، وبالضوابط الشرعية التي تكفل لمؤسسة الوقف المحافظة على ممتلكاتها.
المصدر: صحيفة عُمان العمانية ـ 5/ 9/ 1432

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى