مقالات

بعد السلام/ نداء إلى فقهاء الوقف

بقلم: الدكتور عبد المحسن الجار الله الخرافي
الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف في دولة الكويت
تضافرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تأكيد الأخوّة بين المسلمين، وأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وجاءت تلك النصوص شاملة للمسلمين كافة من دون استثناء، ومن هذا المنطلق كانت إعانة فقراء المسلمين فرضا على أغنيائهم، أفرادا وجماعات ودولا، لا سيما اننا نعيش وسط عالم مترامي الأطراف انتشر المسلمون في كل أنحائه.

وقد حبا الله تعالى دولة الكويت بنعم لا تحصى، خاصة نعمة الأموال الوفيرة التي أغنت أبناءها وفاضت على من حولها، ولذا يتداعى عليها كثير من أبناء الأمة الإسلامية، وتجيئها الوفود من كل مكان تطلب الدعم المادي لمشاريعها الدعوية والتكافلية، لا سيما الأقليات الإسلامية التي تعاني العوز والحاجة في الدين والمال، فيطلبون إعانات لفقرائهم، وأموالا لبناء المساجد والمراكز الإسلامية لنشر دين التوحيد، والحفاظ على هوية المسلمين من الذوبان في هوية البلاد المقيمين فيها، ولا تألو دولة الكويت الكريمة في إعانتهم وإغاثتهم بما يسهم في سد رمقهم، غير أن ذلك لا يمثل حلا جذريا، لأن الأموال التي يحصل عليها هؤلاء تنفد، فيعودون من جديد لطلب العون، ويتكرر هذا الأمر سنويا من دون نهاية، ولذلك كان لا بد من التفكير في حل شامل وعميق، يركز على أن يتم تعليم المحتاج أن يصطاد بدلا من أن يكتفي بمنحه «سمكة»، ويحول الإعانات من التبرع المادي المباشر إلى الدعم المادي الاستثماري، ومن هنا كان تفكيري في أن تكون هناك أوقاف مخصصة للأقليات المسلمة، تكفيهم السؤال، وتغطي احتياجاتهم، غير أن هذا الحل يحتاج إلى فتوى جريئة من كبار علماء المسلمين وصغارهم على السواء، ترفع عن الولاة على الأوقاف الحرج في إعادة تأصيل ريع الوقف، بما يخدم الدعوة الإسلامية، وينفع المسلمين، بأن يضيف مصرف دعم الأقليات المسلمة إلى مصارف الأوقاف، بما يعود بالخير الدائم على تلك الأقليات. وأقترح أن تشتمل تلك الفتوى على ضوابط معينة يجب مراعاتها، في تخصيص الأوقاف لمصلحة الأقليات المسلمة، مثل:
1 – أن تكون هذه الأوقاف من شأنها أن تسهم فعليا في سد حاجات المسلمين في المجالات التربوية، أو الدعوية، أو الاجتماعية، أو مجالات البحث العلمي، بما يحقق مقاصد الوقف، ويعد قربة إلى الله سبحانه، سواء من جانب القائمين على الوقف أو الواقف.
2 – ألا تتجاوز نسبة الريع المصروف للمشروعات الوقفية الخاصة بالأقليات المسلمة، عن نسبة مئوية من أموال الوقف، تحددها الفتوى المنشودة.
3 – أن توضع تلك النسبة في مشروعات مدرة للربح ينفق منها على ما تحتاجه تلك الأقليات، كأن تخصص عقارات يتم استثمارها لمصلحة المحتاجين من الأقليات المسلمة.
4 – أن تكون الأوقاف في الدول التي يقيم فيها المسلمون، وليس في خارجها، حتى يسهل عليهم الاستفادة منها بشكل مباشر.
5 – أن يشترط على القائمين على الأوقاف في الدول التي تحصل على ريع تلك الأوقاف، ألا يعودوا إلى طلب تبرعات مرة أخرى، مادام عندهم المجال الواسع لتكملة بناء الوقف من جهات أخرى.
6 – أن يراعى في تنظيم هذه الأوقاف ألا تتعارض مع أي من القوانين المطبقة في الدول غير المسلمة المراد الوقف فيها.
إن الأحكام الشرعية مبنية على تحقيق مصالح العباد، فهي عدل كلها، رحمة كلها، ومن الرحمة والرفق بالمسلمين والتيسير عليهم، إغناؤهم عن السؤال، بأوقاف استثمارية ثابتة، تدر عليهم الأموال من دون تحمل المشاق، وتكرار السؤال، وليس هذا غريبا على الفقه الإسلامي الذي اشتمل على آراء موسعة، تجيز استبدال الوقف وفقا للمصلحة، مما لا مجال هنا للإفاضة فيه.
والله أعلى وأعلم
المصدر: صحيفة القبس الكويتية ـ 29/ 6/ 1433

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى