أوقاف بنت الحضارة
بقلم: ماجد محمد الأنصاري
تحدثنا في الأسبوع المنصرم حول الوقف كأساس لفكرة المجتمع المدني في التاريخ الإسلامي وقد نبهني بعض الإخوة إلى أن مقالي اعتراه نقص في الحديث حول الوقف كمفهوم وممارسة، وعليه قررت أن أخصص مقال هذا الأسبوع والأسبوعين اللذين يليانه للحديث حول الوقف وتاريخه وتطبيقاته. بدأت فكرة الوقف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع تأسيس النبي للمساجد التي بنيت لتكون وقفاً ينتفع الناس به دون أن تكون ملكاً لأحد، ومن ثم فيما نعلم من وقف النبي عليه الصلاة والسلام لبساتين مخيريق اليهودي، ولكن الوقف الأشهر هو وقف عمر سهمه في خيبر. فقد جاء عمر بن الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستشيره فيما يفعل بأرض حي أحب مال الدنيا له، أي أنه أراد أن يجعلها في سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرتها) فقام عمر بذلك وزاد أنه كتب ذلك وقرأ الكتاب على الصحابة كإشهار للوقف وكان يصرف من ريعه على مصارف الزكاة.
أهمية هذا الوقف جاءت في أن النص الذي ورد فيه كان القاعدة التي بني عليها مفهوم الوقف.
هذا الوقف العمري أراد الله عز وجل أن ينال عمر أجره إلى يوم القيامة؛ حيث فهمنا الوقف من خلاله وهو المصدر الذي يعود إليه من أراد تعريف الوقف. يجمع معظم باحثي الشريعة والتاريخ أن الوقف هو: حبس الأصل وصرف العائد في وجوه الخير، أي تخصيص ريع استثمار معين، عقار أو شركة أو أموال، لصالح جهة انتفاع محددة كأن يخصص لصالح الأسر المحتاجة أو الأيتام أو نحو ذلك.
والوقف نوعان كما يصنف الدكتور الضحيان وغيره، وقف أهلي ووقف خيري، الأول ويسمى كذلك الذري يخصص ريعه لنسل الواقف، والثاني يخصص لصالح أعمال الخير التي ينتفع بها كافة الناس. ويضيف الدكتور أسامة العاني نوعاً مختلطاً يشترط فيه الواقف أن يصرف بعض ريع الوقف على وجوه الخير على أن يعود الباقي على أهله وذريته.
وقد انتشرت الأوقاف في عهود الإسلام الأولى وبالذات في العهد الأموي حتى أصبحت تغذي الاحتياجات الخيرية للمجتمع ونجحت في الحد من أخطار الفقر وأسهمت بشكل فعلي في بناء المجتمع المدني بمدارسه ومستشفياته، فالوقف بعد أن بدأ بصورة بسيطة من خلال صرف الريع على كل محتاج تطور ليكون تخصصياً في مجالات التعليم والصحة وغيرها.
نجح الوقف كذلك في إطلاق النهضة العلمية في العصر العباسي؛ حيث وفر للعلماء في مختلف المجالات استقلالاً عن الحكم والسوق؛ فكانت الأوقاف تصرف رواتب العلماء وتنفق على مدارسهم واحتياجاتهم العلمية دون فضل لحاكم أو خوف من كساد سلعة كما يحدث الآن في مجال الصناعات الطبية مثلاً والتي قد يتأخر الكشف فيها عن علاج لمرض ما خوفاً من تأثيره على منتجات أخرى تباع من قبل الشركات الممولة للأبحاث.
الأوقاف كذلك كانت تقوم على بعض الأدوار التي نعتبرها الآن من واجبات الدولة مثل تعليم الأطفال والخدمات الصحية فمعظم المستشفيات والمدارس في تلك العصور كانت في حقيقة الأمر أوقافاً ولم تكن خدمات من قبل الدولة. العجيب في الأمر أن الجامعات والمستشفيات الغربية في يومنا هذا تجد الكثير منها أوقافاً من قبل عائلات غنية بينما يختفي هذا المفهوم تقريباً في عالمنا العربي والإسلامي.
اجتماعياً للوقف دور مهم في حفظ كرامة المحتاج، فبدلاً من أن يضطر المحتاج إلى السؤال يلجأ إلى أوقاف ليس لناظرها عليه منة، ومن ذلك أن خان الفقراء الذي يطعم المحتاجين ضمن مباني مسجد السليمانية في اسطنبول تجد أن غرفة الطعام فيه مفصولة تماماً عن المطبخ وبينهما نافذة صغيرة في مستوى متدن من الحائط يسلم منها العامل الطعام للمحتاج حتى لا تلتقي عين هذا بذاك ويحافظ المحتاج على كرامته. الوقف يحول المحتاج إلى صاحب حق في مال عام بدلاً من متطفل على موائد الأغنياء.
دينياً يحقق الوقف للمسجد دار العبادة استقلالاً تاماً عن هيمنة الكبراء والساسة؛ ففي الأصل كانت المساجد تبنى ويبنى معها الوقف الذي يدر الريع لتشغيلها وصيانتها، ما يحفظ هيبة المسجد ويبعد عنه شبهة الجاه والسلطان. ونرى ذلك واضحاً في مختلف فترات التاريخ الإسلامي حين كانت المساجد منطلقاً للثورة على الظلم وكان أئمة المساجد قادة رأي تهابهم الدولة.
المصدر: صحيفة العرب القطرية – 13/ 6/ 1434