مؤتمرات و ندوات

مؤتمر عن الوقف العلمي في وجدة بالمملكة المغربية

بادر مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية في وجدة بالمملكة المغربية إلى تنظيم مؤتمره العلمي السنوي لموسم 2012 في موضوع: الوقف العلمي من التجربة الحضارية إلى الخبرات المؤسسية المعاصرة، وذلك في الفترة 26/ 27 أبريل 2012. تحت عنوان “مؤتمر الوقف العلمي: التجربة والخبرات المؤسسية”. وذلك اقتناعا  بأهمية البحث في موضوع “الوقف العلمي” وانطلاقا من التجربة الحضارية الغنية رصدا وتنظيما وقراءة واستمداد وصولا إلى دراسة مستوعبة للخبرات المؤسسية المعاصرة في تدبير هذا المجال، في سبيل الوصول إلى تأسيس قواعد حاكمة في التعامل مع هذا الموضوع سواء من جهة النظر العلمي ونتائج الدراسة الميدانية، أو من جانب الإفادة من مختلف التجارب في استئناف التطبيقات لهذا المبدأ الحضاري الهام.

خلفية المؤتمر:
لم تستطيع مؤسسة من المؤسسات التي أسهمت في صياغة الاجتماع الإسلامي تاريخيا أن تواكب مقتضيات هذا الاجتماع وتستجيب له على امتداد تجربته الحضارية كما فعلت مؤسسة الوقف. ذلك بأن الباحث في هذا المجال يقف من دون شك على الأدوار البالغة الأهمية التي استطاع الوقف أن يؤديها في سياق التفاعل المستمر مع تطور مجتمعات عالم المسلمين، بتعدد حاجاتها ومقتضيات نمائها وفعاليتها الحضارية، سواء كان في صورة مبادرات فردية أو مؤسسات منظمة.
ولعل الوقف العلمي أو الوقف على مؤسسات العلم من جوامع ومدارس وحلق علم متخصصة ومكتبات ومراصد ودور لنشر المعرفة نساخة وترجمة، ومعلمين وطلاب علم وغيرها، هو أكثر ما مثل هذا التجاوب المجتمعي المدني (أو الأهلي) مع حاجات المجتمع إلى المعرفة، وإقبال على العلم، واستبقاء عناصره ومقوماته البشرية والمؤسسية والمادية على امتداد مسار الحضارة الإسلامية.
غير أن إحدى السمات الهامة في تلك التجربة التي لم تنل حظها من الاهتمام العلمي، والدراسة المنظمة كما يجب، هي السمة المؤسسية للوقف العلمي، ذلك بأنه _ وعلى امتداد هذه التجربة _ يلفت انتباه الدارس الاهتمام الدائم بالسمة المؤسسية للوقف العلمي. وليس ذلك بالوقف على المساجد والمدارس، بناء وإعمار فحسب، باعتبارها مؤسسات أولية حاضنة للمعرفة وضامنة لاستمرار عملية التعليم والتعلم، ولكن كذلك بالاهتمام التفصيلي بالحاجات المصاحبة لعملية التعليم وفق رؤية مؤسسية شاملة سوار من حيث الحاجات أو الأولويات
فمن جانب الحاجات المصاحبة لعملية التعليم نجد الوقف على أهل العلم من أساتذته وطلابه لتفريغهم لرسالتهم العلمية، وضمان عدم انشغالهم حالا ومآلا، بطلب الرزق عن دورهم الأساس، وإذا عرفنا أن العالم لم يكن في الغالب مجرد فرد متمكن ومبلغ، بل هو مؤسسة حقيقية قوامها طلبة وجمهور من المتعلمين ورواة يحفظون إنتاجه ويدونونه، ونساخا ينسخون ما يكتب من رسائل وكتب، وحلقات جانبية لمطارحة علوم العلماء ومقولاتهم وآرائهم ومراجعاتهم وتدقيقها، وحلقات للدروس العلمية المتخصصة في كل فن، وأخرى للفتوى، وثالثة للحجاج والمناظرة، تبين لنا هذا البعد المؤسسي الذي اتخذته مؤسسة العلم في مجتمعات المسلمين، والتي مثل الوقف عصب قيامها ولحمه واستمرارها.
وإلى جانب هذا نجد توفير ما يمكن أن نسميه بالإصطلاح المعاصر _البنية التحتية_ لمؤسسات العلم والمعرفة، من مكتبات علمية متخصصة، ومدارس لتعليم الطلبة وإيوائهم، وتشمل ما يحتاجون من مرافق للإقامة والتغذية والمراجعة.
لقد مثلت هذه البنية التحتية لمؤسسة العلم عاملا حاسما في إزدهار المعارف، وهي التي تفسر ما عرفته كثير من العلوم من تطور لافت في التجربة الحضارية الإسلامية, ويمكن أن نورد هنا على سبيل المثال، العلاقة بين إزدهار علم الفلك بما أتاحته الأمة : سلطة حاكمة ومجتمعا أهليا من بناء “المراصد” المتخصصة للفلكين، وهي التي جسدت البيئة العلمية التي نما فيها هذا العلم حتى أنجز ما بتنا نعرفه من التاريخ المرموق لهذا العلم في الحضارة الإسلامية.
أما من جانب الأولويات، فيعرف من يتابع حركة الوقف العلمي أن هذا النوع من العمل الاجتماعي العلمي كان يتجه مندفعا إلى المجالات التي يحتاجها المجتمع ووفق رؤية لاسبقية حاجاته العلمية، ومن هنا ملاحظة ازدهار الوقف في فترة أو بيئة معينة على تعليم فن أو علم معين (وقف الحديث، أو الفقه، أو المواريث أو الطب) وذلك بحسب ما تشتد إليه الحاجة فيكون أولوية مجتمعية في مرحلة ما، يبادر الواقفون إلى تلبيتها متجهين إلى الإنفاق عليها إلى أن يتحقق منها الاكتفاء. وهكذا وفق قاعدة “الاستجابة الكفائية ” لكل ما يجب على المجتمع العناية به، ونشره من أصناف المعارف والعلوم سواء تلك التي اختصت بها الأمة الإسلامية (علوم الوحي، وقواعد الفقه واللغة) أو تلك التي حازت فيها درجات من الريادة والتفوق عرفت بهما لدى غيرها من الأمم (الفلك والرياضيات والكيماء والطب والصيدلة والبيطرة…) وخاصة ما يدخل وفق التصنيف الحديث للعلوم في باب “العلوم البحتة” أو التطبيقية.
غير أن كثيرا من الدارسين لا يلتفتون إلى العلاقة الشرطية التي قامت بين تأسيس قواعد بعض العلوم الأخرى وخاصة “العلوم الإنسانية والاجتماعية” في المجتمعات الإسلامية من خلال طرائق “المشاهدة”، و”الرحلة” و”التدوين” و”التصنيف” و”ترتيب العلوم” وغيرها، وبين البيئة المجتمعية العلمية التي عمل فيها من برزوا في هذا العلوم ثم نبغوا فيها حتى تركوا لنا مؤلفاتهم المعروفة في شتى حقول المعرفة الإنسانية والاجتماعية.
غير أنه من المهم إدراك أمه لم يكن لواحد من هؤلاء العلماء أن يحوز تلك الدرجة من المعرفة، ولا أن يتاح له ذلك المستوى من التعليم، أو تتوفر له شروط التأليف في تلك العلوم الرائدة من تفرغ ورحلة وسعة إطلاع، لولا ما أحيطت به تلك العقليات الكبيرة من شروط تتيح لها العمل والعطاء العلمي على النحو الذي نعرفه اليوم، فتلك “البيئة العلمية” التي أنجبت أمثال هؤلاء ، إنما كان قوامها رعاية الدولة للعلم، وتقديرها لأهله من العلماء، ومواكبة المجتمع لمسيرتهم من خلال شتى أصناف الوقف العلمي الذي أمن لهم قاعدة البناء العلمي، ليبنوا عليها نبوغهم واجتهادهم ومشاريع في المعرفة لا تزال ندين لها بالفضل.
ولعل هذه التسمية المجتمعية لتطور العلوم هي واحدة من أهم ما اقتبسته التجربة الحضارية الغربية من التجربة الإسلامية في هذا المقام، فنحن نعرف اليوم أن أهم المؤسسات العلمية في الغرب جامعة كانت، أو طيبة أو مؤسسات للدراسات ومراكز للأبحاث هي في الأصل عبارة عن وقفيات علمية تأسست بصيغة تبرعات بأصول أو أراضي لخدمة رسالة علمية محددة، ثم تطورت في شكل مؤسسات (foundations) إلى أن وصلت إلى مستوى الريادة العلمية المعروفة في مجالات أكاديمية كانت أو بحثية أو طبية.
إن نظرة دقيقة إلى خريطة المؤسسات العلمية وخاصة مراكز الدراسات والمراصد البحثية عبر العالم، تبين مستوى الاهتمام التي أصبحت تحاط به تلك التوعية من المؤسسات العلمية والفكرية لاعتبارات تتعلق؛ أولا بارتباطها بالحاجات المتعددة للمجتمع والدولة الحديثين القائمين على مبدأي المؤسسية والتخصص.
وثانيا بأهميتها الاستثنائية في المنظومة الحديثة للمعرفة وللأدوات الخطيرة والحاسمة التي تضطلع بها، والتي يمكن إجمالها في أدوراها الأربع الكبرى وهي:
1.    البحث والإنتاج العلمي المتسم بالجماعية والتنظيم وفق مخططات وبرامج مدروسة.
2.    تركيز وتنظيم المعرفة: من خلال الكم الهائل من الأرصدة المكتبية والوثائقية وقواعد المعطيات والبيانات والمعلومات المنظمة والمتاحة للباحثين.
3.    إنتاج الخبرة وهي نتيجة مباشرة لتركيز المعرفة والتكوين على البحث الجماعي وتقنياته وفنونه، وبالتالي تكوين الموارد البشرية الكفأة من البحاثة.
4.    صناعة النخب العلمية عبر بناء شرعية الرأي ومرجعيات النقاش العمومي والمتخصص في كافة حقول المعرفة ومجالات الاختصاص المتمثلة في الخبراء وقادة الرأي العام.
غير أن هذه الأهمية التي تكتسبها مثل هذه المؤسسات لم تنعكس على مستوى الاهتمام بإنشائها ورعايتها والإنفاق عليها بالشكل المطلوب في العالم العربي والإسلامي الحديث ، وخاصة من خلال الدور المطلوب للوقف في هذا المجال، استئنافا للدور الحضاري الهام لمؤسسة الوقف، كقاعدة أساسية في البناء العلمي، ومؤسسة رائدة في الاستجابة للمتطلبات المجتمعية في هذا المجال.
من هنا تأتي مبادرة مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة إلى تنظيم هذا المؤتمر العلمي، اقتناعا منه بأهمية البحث في موضوع “الوقف العلمي”إنطلاقا من التجربة الحضارية الغنية على هذا المستوى رصدا وتنظيما وقراءة واستمداد وصولا إلى دراسة مستوعبة للخبرات المؤسسية المعاصرة في تدبير هذا المجال، في سبيل الوصول إلى تأسيس قواعد حاكمة في التعامل مع هذا الموضوع سواء من جهة النظر العلمي ونتائج الدراسة الميدانية، أو من جانب الإفادة من مختلف التجارب في استئناف التطبيقات لهذا المبدأ الحضاري الهام.
محاور المؤتمر:
وفي هذا السياق يقترح أن يكون المقترب في تناول الموضوعات جامعا بين البحث النظري في الأفكار والتجارب التاريخية، وبين الدراسات التحليلية للخبرات المعاصرة في هذا المجال. وذلك من خلال الكتابة في أحد المحاور الأربعة الآتية:
1ـ الوقف العلمي: الإطار النظري والتأصيل المعرفي.
2ـ خلاصات التجربة الحضارية الإسلامية في مجال الوقف العلمي
3ـ الوقف العلمي من خلال الخبرات المؤسسية المعاصرة تجارب مقارنة.
4ـ واقع الوقف العلمي وأولوياته المستقبلية في بلادنا.
التزامات المركز:
يتحمل المركز تكاليف إقامة وتغذية المشاركين خلال أيام انعقاد المؤتمر، ويؤمن استقبالهم ونقلهم بمدينة وجدة. ويتكلف المركز بطباعة أعمال المؤتمر.
المصدر: موقع شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات ـ 1/ 3/ 1433

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى