حملة مصرية لتوعية المجتمع بأهمية الوقف وتشجيع الأغنياء على وقف بعض أملاكهم
يعمل العلماء في مصر هذه الأيام وبجهد ملحوظ لتوعية المجتمع بضرورة نشر ثقافة الوقف وتشجيع الأغنياء على وقف بعض أملاكهم والمشاركة في مجالات الخير مثل بناء المستشفيات والمدارس ورعاية الفقراء، مطالبين وسائل الإعلام بالتوعية بمخاطر التعدي على الأوقاف وأن تقوم الدولة بدورها في سن القوانين وتغليظ عقوبة التعدي على أملاك الوقف والعمل على رد الأوقاف المنهوبة لتعود هذه الأملاك كما أوقفها أصحابها. بحيث اعتبر وزير الأوقاف المصري د. محمد مختار جمعة في معرض كلامه عن خطة الوزارة لتنمية مال الوقف ومواجهة التعديات ولتأسيس هيئة شرعية للأوقاف تضم في عضويتها مفتي مصر ووكيل الأزهر وعددا من كبار علماء الدين، واعتبر أن الوقف يمكن أن يكون أحد أهم دعائم التنمية في المجتمع، وهناك الكثير من المجالات التي يمكن أن يسهم فيها الوقف، خصوصا في مجال المشروعات الصغيرة وتنمية المحافظات، وكل ذلك بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية والالتزام بشروط الواقفين، موضحا أنه قام بالعديد من الزيارات في المحافظات لمتابعة مشروعات هيئة الأوقاف على أرض الواقع، ومعرفة المعوقات التي كانت موجودة، مشيرا إلى أنه تم حل الكثير من هذه المعوقات، وخلال الفترة القادمة سيتم تسليم عدد من مشروعات الإسكان الكبرى في المحافظات، وجميع مشروعات الإسكان الخاصة بهيئة الأوقاف، يتم تخصيص نسبة من هذه الوحدات للأئمة والدعاة والعاملين بالوزارة، وذلك لتحقيق العدالة الاجتماعية والارتقاء بأحوال الدعاة .
ضوابط لازمة
وأوضح جمعة أن الهيئة الشرعية للأوقاف عقدت اجتماعا الأسبوع الفائت بحضور المفتي د. شوقي علام والشيخ عباس شومان وكيل الأزهر وأكدت فيه قصر استبدال الوقف على الضرورة وأن يكون الاستبدال يحقق مصلحة عامة وبالقيمة العادلة، بل وأن يتم شراء عقار جديد يسجل لصالح الواقف الأول ولنفس غرض الوقف وفى كل الأحوال تتم مراعاة الضوابط الشرعية، مشيرا إلى أن كل هذه القرارات والإجراءات تهدف للحفاظ على مال الوقف وتنميته، فمال الوقف بمنزلة مال اليتيم من أكله سحتا إنما يأكل في بطنه نارا، لأن الواقف حبس ماله على المسجد واليتيم والمحتاج وغير ذلك، فبدل أن يعمل المعتدي على الإضافة إليه حسبة لله عز وجل يعتدي عليه ويأكله سحتا، كذلك من يسهل الاعتداء على مال الوقف، أو يسرب حججه أو يزور فيها، أو يفرط في الحفاظ عليه، لا يقل إثما ولا جرما عن المعتدين أنفسهم، ولذلك سيتم حصر جميع الأوقاف وعمل أطلس جغرافي لها على مستوى الجمهورية.
تطوير مستمر
أما المهندس صلاح الجنيدي رئيس هيئة الأوقاف فقال أن الشهور القليلة الماضية شهدت الكثير من الانجازات، نتيجة للتوجيهات والمتابعة المستمرة من الوزير لكل مشروعات الهيئة، وذلك في المقام الأول بهدف الحفاظ على مال الوقف وتنمية الاستثمارات وإزالة التعديات بالتنسيق مع الجهات المسؤولة، وتم إنشاء إدارة لإزالة التعديات وهناك لجان تفتيش يومية على المناطق في المحافظات لمتابعة تنفيذ هذه القرارات، موضحا أن خطة هيئة الأوقاف تقوم على التطهير والبناء، وبالتوازي مع إجراءات إزالة التعديات، هناك بروتوكولات تعاون مع جميع المحافظات للدخول في مشروعات جديدة في مختلف المجالات، سواء كانت زراعية أو صناعية أو بناء فنادق ومولات تجارية، فهناك تغيير في منظومة استثمار مال الوقف، وكل ذلك لتحقيق أفضل عائد من هذه الاستثمارات، ومنذ أيام تم تأسيس 5 شركات جديدة ضمن المجموعة الوطنية لاستثمارات الأوقاف، والهيئة لديها القدرة والرغبة في التعاون مع جميع المحافظات والدخول في مشروعات مشتركة، لإحداث تنمية حقيقية وتوفير فرص عمل للشباب وتحقيق شروط الواقفين، وسيتم خلال الفترة القادمة عرض مجموعة من المشروعات الكبرى التي سوف تنفذها الهيئة، ويجري حاليا الاتفاق بشأن هذه المشروعات مع بعض المحافظات
تاريخ مشرق وحاضر مقصّر
بدوره عرض د. عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر لنماذج من التاريخ تدل على دور الوقف في بناء المجتمع، موضحا أن الوقف من النظم الإسلامية التي عرفها المجتمع الإسلامي منذ فجر الإسلام، وقد أسهم هذا النظام بدور كبير في بناء المجتمع عبر العصور، وفكرة الوقف المعنوية تقوم على الصدقة الجارية، أما أصله فيقوم على وقف الأملاك واستغلال العائد في وجوه الخير، وبالأوقاف تم بناء المساجد والمستشفيات ومعاهد التعليم والقلاع والحصون، وبالأوقاف أيضا تم بناء المضايف لخدمة عابري السبيل والفقراء، وكان للوقف دور كبير في رعاية حجاج بيت الله الحرام وكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، وكانت مساهمة الوقف في المجتمع أكثر من مساهمة بيت المال أو وزارة المالية حاليا، وأغنياء المسلمين كانوا يهتمون اهتماما كبيرا بهذه الأوقاف، لدرجة أنه لم يبق بفضلها فقير في المجتمع، والتاريخ الإسلامي شاهد على ذلك عبر العصور، بل كانت هناك أوقاف في العصر المملوكي لكسر الخادمة للطبق، حتى لا تتعرض الخادمة للضرب، وكانت أموال الوقف تخصص لرعاية المرضي، وكان يتم تخصيص حجرة لكل مريض، وإذا شفى المريض كان يأخذ مبلغا من المال وكسوة جديدة، بهدف أن يخرج إلى المجتمع عضوا صالحا معه المال للصرف منه على نفسه، وربما عمل بهذا المال مشروعا يتكسب منه، وكانت هناك أوقاف للعصافير والحمام والكلاب الضالة، لدرجة أن الدولة كانت تقيم القباب وتنثر عليها الغلال طوال اليوم لتأكل العصافير، وإلى جانب هذه القباب كانت تشيد مجار للمياه، بهدف أن تجد العصافير الطعام والشراب.
وأضاف أن أغنياء المسلمين قاموا بعمل حجج للوقف، وكان هناك خطاطون لكتابة هذه الحجج بخط واضح، ووضعت هذه الحجج في أرشيفات خاصة ، وكان عليها حراس من المفترض أنهم أمناء، لكن الجيل الأول والثاني وإن كانوا أمناء، إلا أننا لم نعدم من الأجيال التالية من هو فقير النفس، ولذلك وجدنا من سرق هذه الحجج أو غير في الأسماء بنفس الخط، ودخلت هذه الأمور على كبار المختصين، فضاعت أوقاف المسلمين التي كانت مخصصة للصرف على الفقراء والمحتاجين واليتامى وأصحاب الحاجات، وبعض هذه الحجج موجود حاليا في أرشيف دار الوثائق ووزارة الأوقاف ودار المحفوظات، لكنها لم تسلم من العبث وأصحاب النفوس الضعيفة، وإذا كانت بعض هذه الحجج قد ضاعت واختفت أوراقها، فإن الوقف مازال على أرض الواقع، وبالبحث والتقصي يمكن تحديد ومعرفة هذه الأصول، فالأرض باقية والأوقاف باقية، مهما ضاعت الحجج.
المصدر: صحيفة اللواء اللبنانية -3/ 5/ 1435 = 4 / 4/ 2014