هل يكون الوقف أحد مصادر الدخل القومي؟
فهد الشّثري
“وقفنا ـ الثلاثاء 19 جمادى الأولى 1428”
كثيراً ما تصادف في الحدائق العامة في الولايات المتحدة الأمريكية بلوحة مثبتة على أحد المقاعد هناك تشير إلى أن هذا المقعد قد تم التبرع به من أحد الأشخاص، وفي الجامعات الأمريكية يعد هذا المشهد مألوفاً، حيث يمكن أن تجد لوحة مثبتة على أحد أعمدة المباني تشير إلى الشخص الذي مول هذا الجزء من المبنى أو قد تجد لوحة صغيرة مثبتة على أحد أعمدة الإنارة تشير إلى تاريخ واسم الشخص المتبرع. وفي دعابة مع أحد أساتذة جامعة ليهاي في ولاية بنسلفانيا الذي يتولى الإشراف على وقف تسلمته الجامعة حديثاً بقيمة عشرة ملايين دولار أمريكي بأنني سأتبرع بقيمة النجف في إحدى القاعات الدراسية أجابني وبكل جدية بأنه يمكنني القيام بذلك، حيث يمكن التبرع بقيمة وقف لصيانة هذا النجف.
هذا الأمر جعلني أتأمل كثيراً في الدور الذي يمكن أن يلعبه الوقف في تمويل جزء كبير من النفقات العامة وفي حكمة المشرع الإسلامي [؟] الذي جعل الوقف أحد أعمال الخير التي يثاب عليها الإنسان في آخرته. حكمة أعتقد أنها غابت عن الكثير من مقرري السياسات الاقتصادية في الدول الإسلامية فلم يجعلوا الوقف جزءاً أساسياً من مكونات التمويل العام للدولة. ففي ظل وجود مجتمع يتمتع ببيئة صالحة من حيث توافر الوازع الديني والأخلاقي يمكن بناء اقتصاد أو قطاعات اقتصادية كاملة قائمة على الوقف. وللمملكة تجربة ثرية في هذا المجال تعد إثباتاً بالدور الاقتصادي المهم للوقف، حيث تمول نفقات مدارس تحفيظ القرآن بنسبة كبيرة من عوائد الأوقاف التي يتبرع بها المحسنون. والمشرع الإسلامي [؟] لم يحدد الإيقاف في مجال معين فقط، بل جعله مفتوحاً لكل ما هو مشروع من الأعمال الخيرية. والتعليم العام، والجامعي، والصحة، والخدمات العامة تعد من المجالات المتاحة للوقف، والتي تمس بشكل مباشر حاجات الإنسان العادي، وتوفر فرصة لمحبي عمل الخير للإيقاف على بعض الأنشطة المتعلقة بها. وهنا أستذكر تجربة متميزة للأستاذ عبد الرحمن الشثري، الذي تبنى عملية الإيقاف على أجهزة غسيل الكلى في المستشفيات الحكومية وبتعاون من المسؤولين في وزارة الصحة لاقت هذه التجربة نجاحاً كبيراً وإقبالاً من الكثير من المحسنين ومحبي عمل الخير. إذاً المسألة تحتاج إلى تأسيس نظامي لها بحيث تجعل عملية الإيقاف على البنية التحتية لقطاعات التعليم والصحة متاحة للجميع وبمختلف مستويات التكلفة العالية أو المنخفضة وذلك لكي يتاح للجميع المشاركة.
في الولايات المتحدة أصبحت إيرادات الأوقاف من أهم مصادر دخل الجامعات. فحسب إحصائيات عام 2003 بلغت قيمة الأوقاف لجامعة هارفارد الأمريكية قرابة 17 مليار دولار أمريكي، وقيمة عوائد استثمارات هذه الأوقاف قد تكون كافية أو تفيض على ميزانية إحدى دول الخليج، أو قد تكون كافية لتمويل الميزانية الخاصة بإحدى أمانات المدن الرئيسة في المملكة. وقيمة هذه الأوقاف تنمو بشكل مطرد لتشكل مصدراً للتوسع في مجالات البحث العلمي ولتطوير الجامعات، حيث إنه وخلال الفترة بين 1994 و2002 نمت قيمة الأوقاف لجامعة هارفارد وييل بنسبة 174 و200 في المائة على التوالي. هذه الأوقاف جعلت هذه الجامعات مستقلة مالياً وإداريا ودون أن تقع تحت تأثير القيادات السياسية، مما جعلها مرتعا ًللأفكار الخلاقة ولتكون في مقدمة الجامعات في العالم في مجال البحث العلمي.
وفي ظل تزايد التعداد السكاني للمملكة الأمر الذي يمثل ضغطاً كبيراً على الميزانية العامة للدولة يمكن أن يمثل الوقف وسيلة للتخفيف من هذا الضغط وطريقة سهلة لتنويع الموارد الاقتصادية بتمويل جزء من الميزانية عن طريق الوقف مما سيمثل فرصة لبعث فكرة المشاركة العامة في التمويل العام بطريقة تتوافق مع متطلبات الشرع الإسلامي الحنيف وتتلاقى بشكل مباشر مع أهدافه. والمطلوب هنا هو تأسيس آلية فاعلة وسهلة يتمكن بموجبها الشخص الراغب في إنشاء الوقف من الوصول إلى خيارات متعددة للإيقاف، كما يتطلب ذلك توفر بيئة تنظيمية واستثمارية تمكن من استثمار هذه الأوقاف بشكل يكفل نماءها واستمرارها على مدى الزمن. ولنا أن نتصور كيف سيكون عليه حال المدارس والجامعات والمستشفيات العامة عندما يتوافر لها مصدر آخر للتمويل خلاف الميزانية العامة للدولة.
[المصدر: جريدة الاقتصادية]