مقالات
فتح وقفي مبين!
الدكتور عبد المحسن الجارالله الخرافي:بحمد الله تعالى وتوفيقه، تم عقد منتدى قضايا الوقف الفقهية السابع في فندق البريستول في مدينة سراييفو بدولة البوسنة والهرسك في الفترة 27 إلى 29 مايو 2015، والذي أقيم تحت رعاية فخامة رئيس البوسنة والهرسك باكر عزت بيغوفيتش، وبالتعاون ما بين المشيخة الإسلامية بالبوسنة والهرسك والأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة (الحليف الاستراتيجي للأمانة). وقد أسفر المنتدى عن العديد من القرارات والتوصيات المهمة التي أسأل الله تعالى أن تجد طريقها إلى التفعيل العاجل، بما يسهم في تطوير دور الوقف في خدمة الإنسان والعمران.
ومن هذه القرارات والتوصيات ما يتعلق بالذمة المالية للوقف، حيث أوصى المنتدى بإنشاء بنك خاص بالوقف وأنشطته، وأكد ما جاء في توصيات المنتدى الثالث بإنشاء محكمة خاصة بالأوقاف ويؤكد الشخصية الاعتبارية للوقف.
ومنها كذلك ما يتعلق بموضوع «وقف أدوات الإنتاج» الذي أصدر بشأنه المنتدى قرارات مهمة كذلك تدفع إلى الاهتمام بتلك الأدوات وإلى العمل على توفير إطار قانوني لوقفها بما يراعي الشمولية ويواكب التطورات المؤسسية المعاصرة، ويلبي احتياجات المجتمعات المسلمة المعاصرة.
أما الموضوع الثالث والأهم من وجهة نظري الشخصية التي بنيتها من خلال خبرة السنوات الأربع التي قضيتها أمينًا عامًا للأمانة العامة للأوقاف فهو يتعلق بــ«جواز تأصيل ريع الوقف»، والمراد بتأصيل الريع: تحديد جزء من ريع الوقف لعمارة وترميم أصل الوقف، أو زيادة أصول متصلة به من أبنية أو غراس، اقتضتها مصلحة الوقف الموجود أو لإنشاء أصول جديدة، وإعطائها حكم الوقف، بحيث يعود ريعها إلى المستحقين مطلقا من دون مراعاة شرط الواقف للأوقاف السابقة، وذلك وفق ضوابط فقهية تقتضيها مصلحة الوقف.
فقد أكد المنتدى ما جاء في قرارات المنتدى الثاني في القرار رقم 9 من الموضوع الثاني (وقف النقود والأوراق المالية) بخصوص الزيادة الرأسمالية أنها زيادة على أصل الوقف وليست ريعا.
كما أكد بعد أن ذكر ضوابط محددة لتأصيل ريع الوقف أنه يجوز تخصيص جزء من الريع أو من فائض الريع لوقف آخر للغرض نفسه أو لغيره. وأن مبنى جواز تأصيل الريع بالصورة السابقة يقوم على المصلحة المعتبرة للوقف والموقوف عليهم، لا سيما أن هذه المسائل كلها اجتهادية قائمة على تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وأن مقاصد الوقف هي المساهمة في تنمية الفرد والمجتمع تنمية شاملة، كما أن ذلك يحقق مقاصد الوقف في جوهرها من الحصول على الثواب وصرف المال في ما هو الأقوى والأنفع ومقاصد المجتمع والأمة، وما نص عليه الفقهاء في أنه ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض.
وأوصى المنتدى في هذا الشأن بأمرين مهمين:
الأول – حث الواقفين في صكوك وقفهم على تحديد نسبة من الريع أو تخصيص أوقاف مستقلة جديدة تؤصل لإنشاء أصول أوقاف جديدة.
والثاني – حث المؤسسات الوقفية على اعتماد مبدأ تأصيل فائض ريع الوقف في نظامها الأساسي.
فهذه القرارات والتوصيات، من شأنها أن تسهم في فتح الباب أمام استثمار ريع الوقف في إنشاء أصول وقفية جديدة بضوابط معينة مما يسهم في ازدياد الأصول الوقفية من جهة، وتنمية ريعها من جهة أخرى، بما يخدم في النهاية مقاصد الوقف، ويحقق مصالح الموقوف عليهم والواقفين على السواء، وبما يعين المؤسسات الإسلامية في البلاد الإسلامية الفقيرة والبلاد غير المسلمة على التمويل الذاتي انطلاقًا من المثل الصيني: «لا تعطني سمكة، علمني كيف أصطاد»، وتغنيهم عن طلب الدعم من الدول الإسلامية بشكل دائم.
جزى الله كل من قام على هذا المنتدى وشارك فيه وساهم في نجاحه خير الجزاء.
المصدر: صحيفة القبس الكويتية – 16 / 1/ 1437 =8 / 11/ 2015