الاقتصاد الاجتماعي في العصر العثماني: قراءة في حجة وقف محمد الفاتح
بقلم الدكتور: إبراهيم البيومي غانم
بلغ نظام الوقف الإسلامي أقصى مدى في توسعه وازدهاره خلال العصر العثماني. وتحدثنا المصادر التاريخية عن أن إيرادات الأوقاف كانت تشكل ثلث الموازنة العامة للدولة، وأن الأراضي الزراعية الموقوفة في مطلع القرن التاسع عشر قد تراوحت بين الثلث والنصف من إجمالي الأراضي الزراعية في أغلب الولايات العثمانية بما فيها البلدان العربية مثل: مصر(الثلث)، وتونس (الثلث)، والجزائر(النصف)، والعراق (النصف).
ورغم أن المبادرات الأهلية الخيرية المستقلة عن توجيهات السلطة والسياسة هي أساس إنشاء الأوقاف، فإن معظم رجال السياسة من حكام وسلاطين آل عثمان (ومن المماليك والعباسيين والأمويين والخلفاء الراشدين من قبلهم)، قد رغبوا في التقرب إلى الله من طريق خدمة الضعفاء والمحتاجين بالتبرع بالأوقاف وتخصيصها للإنفاق على مؤسسات خيرية عامة مثل: المدارس، والمستشفيات، والمساجد، والحمامات العامة، ودور الأيتام، والأربطة والتكايا، وأسبلة مياه الشرب، وغيرها من المبرات ومؤسسات الضمان الاجتماعي.
وبمرور الزمن، تراكمت ممتلكات الأوقاف وتطورت مؤسساتها. وقدمت خدماتها ومنتجاتها المتنوعة في سوق «السلع العامة» بتعبيرات الاقتصاد الاجتماعي الحديث. وكانت الأوقاف توفر تلك الخدمات والسلع إما مجاناً، أو بأسعار رمزية أقل بكثير من أسعار السوق الحر. وتميزت إدارة هذا القطاع بدرجة عالية من اللامركزية بخلاف المركزية الشديدة التي ميزت الإدارة الحكومية العثمانية، مع إعطاء أولوية للفقراء والعاطلين عن العمل وغير القادرين على الكسب في الاستفادة من عوائد هذا القطاع الوقفي وخدماته المختلفة.
وتعتبر فاعليات هذا القطاع في الاقتصاد العثماني، نسخة مبكرة لما بات يشير إليه مفهوم «الاقتصاد الاجتماعي» الذي سكَّهُ للمرة الأولى الاقتصادي الفرنسي شارل دونواتي في 1830 م في كتابه «الميثاق الجديد للاقتصاد الاجتماعي»، وهو ما جرى تطويره خلال القرنين التاسع عشر والعشرين حتى تبلور في ما عرفته فرنسا في سنة 1980 م تحت عنوان «ميثاق الاقتصاد الاجتماعي». ومن فرنسا انتشر هذا المفهوم إلى بلدان أخرى في صورة مشاريع تعاونية، وجمعيات وشركات تعاضدية تراعي في عملها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية مجتمعة.
هذا المضمون الحديث للاقتصاد الاجتماعي الذي قدمته التجربة الفرنسية، كان مترسخاً في اقتصاد الدولة العثمانية بفضل نظام الوقف ومؤسساته التي احتلت موقعاً مؤثراً في دورة الاقتصاد الكلي للدولة. وثمة نظريات عديدة توضح مكانة الأوقاف في تكوين ما يعادل «الاقتصاد الاجتماعي» في الاقتصاد العثماني ومن أهمها نظرية البروفيسور محمد قنش أستاذ الاقتصاد العثماني في جامعة «شهير» التركية، ومؤداها بحسب الباحث التركي سليم أرقون، هو: أن اقتصاد العصر العثماني قام على ثلاثة أركان أساسية هي:
1- التوفير الاقتصادي، بمعنى التزام الدولة بتأمين الاحتياجات الأساسية لرعاياها مع عدم السماح بتراكم الثروة في يد طبقة صغيرة من التجار وأصحاب الأملاك.
2- احترام الشرعية التقليدية، بمعنى المحافظة على الأصول الموروثة في نظام الحكم بما يحقق الاستقرار المناسب للازدهار الاقتصادي.
3- استخدام السياسة الضريبية كأداة لحفظ التوازن الاجتماعي من جهة، وحفظ استقلال الدولة عبر تشجيع الاستيراد من الخارج للداخل حيث لم تزد الضريبة على الواردات عن 3 في المئة، وتقليل التصدير من الداخل إلى الخارج حيث ارتفعت الضريبة على الصادرات إلى 12 في المئة، وظل العمل بهذا النظام حتى سنة 1850م.
في إطار تلك السياسة الاقتصادية لم تسمح السلطات العثمانية للأغنياء بإنشاء المشاريع الإنتاجية أو الصناعية الضخمة ولا ببناء الأسواق التجارية الكبيرة، ومن ثم حالت دون نشوء أقلية برجوازية تتحكم في الأسواق وتكدس الثروة، ومن ثم تطمع في السلطة وتخل بالاستقرار السياسي. واستعاضت الدولة عن ذلك بالسماح للأوقاف ببناء الأسواق الضخمة والوكالات التجارية والقيساريات والفنادق والورش الصناعية الكبيرة التي تساهم في سد حاجات تلك الأسواق من السلع بأسعار تحقق هامشاً صغيراً من الأرباح، على أن تعود هذه الأرباح في نهاية المطاف لدعم دورة الاقتصاد الاجتماعي الوقفي.
واعتمدت الدولة العثمانية أيضاً سياسة مصادرة أموال كبار المسؤولين والأثرياء عندما تتضخم بشبهة الفساد أو التربح من المناصب العليا، ولتجنب المصادرة شجعتهم على وقف ممتلكاتهم كلياً أو جزئياً وتخصيص عوائدها للمساهمة في تغطية نفقات الخدمات العامة ومؤسسات قطاع الاقتصاد الاجتماعي. وكان السلاطين العثمانيون أنفسهم في مقدمة المبادرين إلى إنشاء الأوقاف الخيرية الكبيرة.
ولعل أشهر وقفيات السلاطين العثمانيين وأكبرها حجماً وأعظمها أثراً في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي وقفيات السلطان محمد الفاتح (ولد يوم 26 من رجب سنة 833 هـ = 20 من أبريل 1429م، وتوفي يوم 4 من ربيع الأول سنة 886هـ = 3 من مايو 1482م). وبحسب وثائق الأرشيف العثماني بدار الوثائق الرسمية لرئاسة الوزراء التركية، فإن وقفيات محمد الفاتح بلغت 1828 وقفية، منها: 1345 عقاراً من الأراضي والمباني، و261 منشأة ومؤسسة تعليمية وطبية وثقافية واجتماعية وخدمية، إضافة إلى 222 وقفية نقدية خصصها لتقديم القروض التنموية والقروض الحسنة لدعم الفئات الفقيرة وتمكينهم من الالتحاق بسوق العمل والإنتاج، وذلك استناداً إلى فتوى الملا خسرف الذي شغل أعلى منصب للإفتاء في الدولة العثمانية في الفترة من 1460م ـ 1480م.
لم يهتم محمد الفاتح بالأوقاف في السنوات الأولى من حكمه، إذ كان منشغلاً بإتمام فتح القسطنطينية، وهو ما تحقق في سنة 857 هـ = 1453 م، أي بعد عامين فقط من توليه الحكم في سنة855 هـ = 1451 م. ولما كان همه الأكبر في سنوات حكمه الأولى هو توفير التمويل لحملاته العسكرية باتجاه قلب أوربا، فقد أمر بتحويل عشرين ألف قرية من قرى الأوقاف إلى أراضي الميري، لكي يتمكن من إخضاعها للضرائب لتغطية نفقات الجيش بحسب ما تقول المصادر التاريخية. ولكنه سرعان ما أدرك خطأ هذا الإجراء وما سيجره من سلبيات على مجمل مرافق المجتمع الدولة، فعدل عنه. وشرع هو نفسه في إنشاء عدد كبير من الوقفيات الخيرية التي دعمت قطاع «الاقتصاد الاجتماعي».
وبحسب بيانات «كشاف أدبيات الأوقاف في الجمهورية التركية» الذي أشرفت على إصداره من الأمانة العامة للأوقاف بالكويت، فإن وقفيات محمد الفاتح موثقة في حجة جامعة تقع في 370 صفحة باللغة العثمانية، ومكتوبة بالحبر الأسود وبخط النسخ المُشَكَّل، وهي محفوظة الآن بأرشيف المديرية العامة للأوقاف التابعة لمجلس الوزراء التركي في أنقرة، ومسجلة برقم 28 في دفتر وقفيات الأناضول. وكانت بداية تاريخ كتابتها في سنة 867 هـ = 1463 م ونهايتها في سنة 875 هـ = 1470 م، وطول هذه المدة يشير إلى أن هذه الحجة تضم مجموعة كبيرة من وقفياته التي أنشأها خلال تلك السنوات التي بلغت حوالي ثماني سنوات.
وتحتوي هذه الحجة على معلومات تفصيلية عن موقوفات محمد الفاتح من الأراضي والعقارات المبنية، بما في ذلك أراضي كثير من القرى في الأناضول، ومعلومات وبيانات تفصيلية أيضاً عن المؤسسات التي أنشأها وخصص لها ريع تلك الموقوفات بما في ذلك: الجوامع، والمدارس، والعمارات، والأسواق، والدكاكين، والفنادق والخانات، والحمامات العامة، والمطاحن، والمشافي. وأغلب المستفيدين من تلك المؤسسات كانوا من الفقراء وأصحاب الحاجات والفئات الضعيفة. ومعنى هذا أن تلك المؤسسات شكلت منظومة خدمية متكاملة للضمان الاجتماعي بمعناه الواسع.
تبدأ الحجة بمقدمة طويلة نسبياً تؤكد على وجوب شكر النعم التي أنعم بها الله على عباده، وأن التبرع بالأوقاف لإسعاد الخلق هو الدليل العملي على أداء واجب شكر نعمة المال تحديداً. وتَرِدُ عبارة تشير إلى هذا التوجه للمشاركة في دعم قطاع الاقتصاد الاجتماعي كسياسة عامة للدولة، وهي: «وبكرم السلطان قام قضاة العسكر، وسائر الأعيان، والأكابر، والعلماء، وعموم أركان السلطنة بتوزيع ما يملكون من أموال الغنايم أو وقفها عملاً بقوله تعالى: { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } [ سورة الحديد: 7 ].
وبتدقيق النظر في مجمل شروط محمد الفاتح التي وضعها في حجة وقفه لصرف ريع أوقافه، يتضح أن هناك خطاً ثابتاً لتفضيل صرف ريع الوقف وتوفير خدمات مؤسساته للفئات الضعيفة أو الهشة اجتماعياً واقتصادياً، وأغلبهم من الفقراء وذوي الحاجة والعاجزين عن تحصيل قوت يومهم، بخاصة العاجزات من النساء، وبصفة أخص الخاليات عن الأزواج، والمرضى، والغرباء من المسافرين وعابري السبيل. وهؤلاء جميعاً هم من تستهدفهم مؤسسات وبرامج الاقتصاد الاجتماعي الحديث، مع ملاحظة فارق جوهري بين النموذج الوقفي الذي اعتمدته الدولة العثمانية، ونموذج الاقتصاد الاجتماعي في طبعته الفرنسية الحديثة.
يتجلى هذا الفارق في أن هدف الاقتصاد الاجتماعي الأساسي هو المشاركة في علاج الآثار السلبية للنظام الاقتصادي الرأسمالي، بينما كان الهدف في التجربة العثمانية هو المشاركة في بناء منظومة الاقتصاد الكلي للدولة على نحو يحول دون نشوء طبقة رأسمالية تتركز في يدها الثروة ومن ثم السلطة، أي أن الوقاية المسبقة من الآثار السلبية للاقتصاد الرأسمالي هي أساس مساهمة الوقف في بناء الاقتصاد الاجتماعي في العصر العثماني. بينما العلاج اللاحق لتلك الآثار هو أساس مساهمة الاقتصاد الاجتماعي الحديث.
ويلفت النظر أن الجوامع والمدارس والمشافي، قد حظيت، على التوالي، بالجانب الأكبر من اهتمام السلطان في وقفياته، سواء بالأمر بإنشائها، أو ترميمها وصيانتها، أو إدارتها وتخصيص الريع لتغطية نفقات إدارتها وتقديم خدماتها مجاناً وبمستوى رفيع للفقراء وذوي الحاجات.
لا يتسع المقام لاقتباس شواهد تؤكد ما سبق من نص الحجة، ويكفي هنا اقتباس واحد يتعلق بدار الشفاء التي أنشأها السلطان ووقفها في إسطنبول، فقد اشترط أن: يعين للدار طبيب، وجراح، وكحَّال، وأن: «يصرفوا للمرضى الأدوية المفردة والمركبة التي يتم جلبها على نفقة الوقف، وأن يعين رجلان صالحان طباخان للطعام في دار الشفاء يطبخون الطعام بمعرفة الطبيب للضعفاء ومستحقي الرحمة من ذوي الأمراض المختلفة، ولا ينسوا العلاج بحجة توفير قوت الحياة، وعليهم أن يحضروه للمرضى بحسب المواعيد، ويُعين شخصان خاليان من العجز والكسل، ذوا طبعٍ حسن لخدمة المرضى، يقدمان الأغذية والأشربة للمتألمين من الحمى، وليطيّبا خاطر المريض، وليقوما ببسط الفرش، وغسل الثياب، وتنظيف أماكن المرضى، ورش الماء البارد في الصيف، ويزيلا غبار غطاء المريض…». وورد أيضاً أن السلطان اشترط أن « يجتمع ناظر الوقف والطبيب والكاتب يوماً في الأسبوع، وأن يقدموا الخدمة في الديار السلطانية لأصحاب الفراش في منازلهم والذين لا يستطيعون الحصول على بعض الأدوية المناسبة لهم، وللعاجزين وللقاصرين عن استدعاء الطبيب على نفقتهم».
وقد كان لهذا التوجه السلطاني لدعم قطاع «الاقتصاد الاجتماعي» في العصر العثماني أشباه ونظائر في سائر الولايات التابعة لها، ولكن الدول الحديثة التي ورثت الدولة العثمانية لم تحافظ في أغلب الحالات على هذا الإرث الأصيل، بل دمرته أو تركته ليد الإهمال لتقضي عليه، من دون أن تنجح في تعويضه بنظام حديث وفعال للاقتصاد الاجتماعي يحمي الفئات المهمشة والطبقات الفقيرة من الفاقة والعوز، ويساهم في الوقت نفسه في دعم الاستقرار السياسي والأمني.
تلك قراءة كلية لمضمون حجة السلطان محمد الفاتح بمعايير الاقتصاد الاجتماعي، وهي تحتاج بكل تأكيد إلى قراءات أخرى بمنهجية مقارنة مع نظائرها من وقفيات الحكام وكبار المحسنين، كما تحتاج إلى مزيد من التحليل بمعايير إدارية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.
المصدر: صحيفة الحياة اللندنية ـ 15/ 12/ 1437 = ١٧ / 9/ ٢٠١٦