أهمية الأوقاف في تجديد دراسة منهجية العلوم
بقلم الدكتور: عبد الرزاق بلعباس
من المسائل الجوهرية التي لم يتنبه لها الباحثون أهمية الأوقاف في تجديد دراسة منهحية العلوم أي – بمعنى أوضح – في طرق ومسالك تناول الأشياء والوقائع والظواهر والسلوكيات بهدف التعمّق في دراستها وفهمها.
هذه المسألة الدقيقة تظل في غير متناول خريجي كليات الشرعية أو الدراسات الإسلامية والاقتصاد والتمويل، بل وحتى الأجيال المتتالية التي تلقت دراسات عليا في فلسفة ومنهجية العلوم لأن هذه الفروع المعرفية تظل حبيسة مفاهيم التخصص، مما جعلها تتحول إلى خطاب عن فلسفة أو منهجية العلوم.
ولتبسيط الفهم للقارئ الكريم الحريص على طلب العلم، علينا أن نعي أن جلّ الدراسات التي تناولت الأوقاف – بغض النظر عن منظور التخصص بمعناه الضيّق – بقيت حبيسة لما اصطلح على تسميته بالوقف، ولم تهتم بالشيء في حدّ ذاته كبناء اجتماعي متعدد الأبعاد.
بعبارة أدق إذا رجعنا إلى الكتابات القديمة وبالأخص كتب السيرة النبوية وأخبار المدينة المنورة لا نجد من سمى مسجد قباء بوقف مع أنه من حيث المعنى والمضمون والوظيفة الاجتماعية هو حبس عين أو أصل – أي قطعة أرض في منطقة قباء – وتسبيل لمنفعة التي تتمثل في أداء الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وقراءة القرآن، وغير ذلك من العبادات التي تؤدى في بيوت الله سبحانه وتعالى في أرضه التي جعلها خالصة له وحده.
هذا من شأنه أن يحفّز طلاب الدراسات العليا على تجاوز الطريقة التقليدية التي تحصر التعريف في المعنيين اللفظي والاصطلاحي أو الشرعي عمومًا وخصوصًا؛ فالتعريف ليس مجرد مسألة لغوية أو لسانية بالتعبير الحديث، بل هو في جوهره أساس الاستكشاف المنهجي لتدريب طلاب العلم على توضيح طريقة بناء المعرفة عن موضوع البحث، وهو ما يوسم عند المتخصصين بالوضعية المعرفية (Epistemological posture).
كما يبيّن مأزق تناول الظاهرة الوقفية من خلال مفاهيم أعجمية، من أشهرها بالإنجليزية: “endowment” و”foundation” و”trust”، وبالفرنسية: “biens de mainmorte”؛ مما أدى أحيانًا إلى تسمية الوقف بعبارات من قبيل: “Islamic endowment”، “Islamic Foundation”، “Islamic trust”، “biens de mainmorte musulmane”، وهو مسلك أحدث اضطرابات فكرية لعل من أبرزها ما يلي:
أولا: إحداث قطيعة في تشكيل المعرفة بين كتابات السلف من علماء الإسلام والباحثين المعاصرين.
ثانيا: شكلية الاستشهاد بكتابات السلف من باب اكتساب نوع من أنواع المشروعية التاريخية.
ثالثا: تبني المنظومة المعرفية التي شكلت هذه المفاهيم الأعجمية وترتبط بها ارتباطًا عضويًا.
رابعًا: الانشغال بمقولات وقضايا فلسفية ونظرية ومفاهيمية قد تجد مبررًا في الدراسات المقارنة، لكنها لا تهم المجتمعات المسلمة من حيث الأولوية.
هذا غيض من فيض يُظهِر أن الأوقاف كنز معرفي يتعدى القضايا المطروحة في الأوساط العلمية من حيث التمويل والاستثمار، أو الحكم الشرعي لهذا المنتج الوقفي أو ذاك، أو دور الوقف في التنمية المستدامة، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا وينير عقولنا لترتقي إلى مستوى هذه الكنوز المعرفية التي يزخر بها ديننا الحنيف.
المصدر: موقع وقفنا – 27/ 12/ 1440 = 28/ 8/ 2019