مقالات

التفاعل المفاهيمي بين الظاهرة الوقفية ووباء “كورونا” ـ ماذا يمكن أن نتعلمه بما يتجاوز الوظيفة الاجتماعية والاعتبارات الفنية؟

بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بلعبّاس

” الإنسان الذي يهتمّ بمن حوله بدءا من أقرب الأقربين في دوائر تتسع حلقاتها حتى تشمل البشر وجميع الكائنات دليل على أنّه سويّ يتمتع بنعمة عظيمة من نعم الله تعالى.”

بدا لي في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك أن أتناول مسألة تبادرت إلى ذهني بعد النظر في التفاعل بين الظاهرة الوقفية ووباء “كورونا” من حيث تأصيل المفاهيم لتعكس بشكل أفضل انتماءنا الثقافي، وواقعنا المعيشي، ومشكلاتنا اليومية، وطموحاتنا المستقبلية للظفر بحياة طيبة بعد إدراك ضرورة إعادة النظر في طريقة تنظيم حياتنا.

وليس المقصود هنا اختزال وظيفة الأوقاف في توفير الخدمات الضرورية للتعامل مع وباء “كورونا” بطريقة مثلى؛ مع أنّه مطلب ضروري ونداء مشروع، ولكنه لا يلبي المطلوب من حيث تحسين تنظيم حياة البشر على المدى الطويل لضمان بقاء العمران البشري أو الاجتماع الإنساني في كل الأحوال ومهما اشتدت الظروف.

لو استحضرنا “الكعبة المشرفة” – باعتبارها أول وقف في تاريخ البشرية – في ضوء هذا التفاعل المفاهيمي لتجلّت لنا أهمية الحياة بالمعنى الواسع للكلمة الذي يشمل حياة القلوب، وحياة العقول، وحياة الأبدان؛ استنادًا إلى الاعتبار بالأولى الذي يشمل ما هو أدنى. بعبارة أخرى، وفقًا للتسلسل التالي:

ـ إن أهم شيء في عالمنا هذا هو الحياة.

ـ إن الحياة لا تنحصر في حياة البدن.

ـ إن الحياة الحقيقية ترتكز على ثلاثة جوانب أساسية، هي: حياة الروح، وحياة العقل، وحياة البدن.

هذا الاستحضار للكعبة المشرفة باعتبارها موجودًا يُبيِّن محدودية تصنيفات الأوقاف – من قبيل ديني وخيري وذري – التي تحجب عن التفكير بعمق بما يتعدى الوظيفية الاجتماعية للظاهرة واعتباراتها الفنية بغض النظر عن طبيعة التخصص والزاوية التي يتم من خلالها التطرق للموضوع. ومن المهم بمكان التعامل مع الظاهرة الوقفية باعتبارها منظومة معرفية ترتكز على الكعبة (حياة القلوب)، وبئر زمزم (حياة الأبدان)، وما إلى ذلك.

خلاصة القول، إذا ذكّرنا وباء الكورونا – باعتباره ظاهرة مفاهيمية – بأن أهم شيء في عالمنا هذا هو الحياة وأن المال ليس كل شيء ولا أهم شيء، وإنما جزء من أشياء، فإن هذه الذكرى من شأنها أن تزيد من قناعتنا بأن الوقف كنز معرفي لم نعطه ما يستحقه من عناية لكوننا ننظر إليه بعيون غيرنا التي عاشت في زمن غير زمننا أو تعيش في بيئة غير بيئتنا.

هذا يُحفّز على التطلع ما يتجاوز المطروح في الأوساط الاقتصادية التي لا تتعدى حلولها موضة (تقليعة) نموذج التنمية القائم على المعايير البيئية، كما هو حال مقالة لتوماس بيكيتي (Thomas Piketty) نشرت في صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية في 9 مايو 2020 تحت عنوان: “بعد الأزمة؛ حان وقت النقود الخضراء”. وهو ما يطرح تساؤلا عن مستوى عمق المؤلف بعيدًا عن المنظومة الإعلامية التي تروج لكتاباته.

نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل لنرتقي إلى مستوى حمل الأمانة العلمية لما فيه نفع العالمين استنادًا إلى قول الله تعالى لخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلّم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء: 107].

المصدر: موقع وقفنا ـ 10/ 10/ 1441 = 2/ 6/ 2020

وقفنا

موقع على”الشبكة الدولية للمعلومات”، متخصص في باب عظيم من أبواب الخير؛ وهو باب الوقف. شعارنا شعار هذا الموقع “ثواب مستمر ونفع للجميع”. وهو شعار يعبّر عن الغرض من الوقف عند المسلمين. فهو من ناحية الوقف: عمل مشروع يراد به وجه الله تعالى وحده، ويُرجَى ثوابه دون انقطاع يوم القيامة؛ سواء كان الواقف حيّا أو ميّتا. ومن ناحية الانتفاع: شامل للإنسان والحيوان؛ لأجيال وقرون طويلة قادمة. ولذلك لا يجوز بيع الوقف ولا رهنه ولا تعطيله عن الغرض الذي وُقِفَ من أجله؛ بل الواجب دعمه وتطويره واستثماره مدى الليالي والأيام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى