تاريخ الوقف

وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه

“وقفنا ـ الثلاثاء 21 ذي القعدة 1427”

يعدّ وقف عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من أوائل الأوقاف التي قامت في تاريخ الإسلام، وهو أوّل وقف موثّق بوثيقة مكتوبة. وقد بقيت هذه الوثيقة لسنوات طويلة، وورد نصّها في بعض أمّهات الكتب. و يرى العلماء أنّ وقف عمر رضي الله عنه من النّصوص الدّالّة على  مشروعيّة الوقف، وبالإضافة إلى ذلك فقد بنو على وثيقة هذا الوقف كثيرا من الأحكام الفقهيّة. وفيما يلي ما ورد من دراسة لحديث وقف عمر في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني.

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَاابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَأَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُفَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَبِهَا فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَايُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِوَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَمِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع‏)‏ كذا اقتصر عليه، وقدأخرجه أبو داود عن مسدد عن يزيد بن زريع وبشر بن المفضل ويحيى القطان ثلاثتهم عنعبد الله بن عون، وقد زعم ابن عبد البر أن ابن عون تفرد به عن نافع، وليس كما قالفقد أخرجه البخاري من رواية صخر بن جويرية عن نافع كما تقدم قبل أبواب، وأخرجهمختصرا وأحمد والدار قطني مطولا من رواية أيوب، وأخرجه الطحاوي من رواية يحيى بنسعيد الأنصاري، والنسائي من رواية عبيد الله بن عمر الأكبر المصغر، وأحمد والدارقطني من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبر كلهم عن نافع، وسأذكر ما في روايتهممن الفوائد مفصلا إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن نافع‏)‏ في رواية الأنصاري عن ابن عون الماضية في آخرالشروط عن ابن عون ‏”‏ أنبأني نافع ‏”‏ والإنباء بمعني الإخبار عند المتقدمين جزما،وقد وقع عند الطحاوي من وجه آخر عن ابن عون ‏”‏ أخبرني نافع ‏”‏ والأنصاري المذكورأحد شيوخ البخاري أخرج عنه عدة أحاديث بغير واسطة منها حديث أبي بكر في أنصبةالزكاة‏.‏

وأخرج عنه في مواضع بواسطة، وكان الأنصاري المذكور قاضي البصرة وقدتمذهب للكوفيين في الأوقاف، وصنف في الكلام على هذا الحديث جزءا مفردا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أصاب عمر‏)‏ كذا لأكثرالرواة عن نافع، ثم عن ابن عون جعلوه في مسند ابن عمر، لكن أخرجه مسلم والنسائي منرواية سفيان الثوري والنسائي من رواية أبي إسحاق الفزاري كلاهما عن عبد الله بنعون، والنسائي من رواية أبي إسحاق الفزاري كلاهما عن عبد الله بن عون، والنسائي منرواية سعيد بن سالم عن عبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع عن ابن عمر عن عمر جعله منمسند عمر، والمشهور الأول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بخيبر أرضا‏)‏ تقدم في رواية صخر بن جويرية أن اسمهاثمغ، وكذا لأحمد من رواية أيوب ‏”‏ أن عمر أصاب أرضا من يهود بني حارثة يقال لهاثمغ ‏”‏ ونحوه في رواية سعيد بن سالم المذكورة، وكذا للدار قطني من طريق الدراورديعن عبد الله بن عمر، وللطحاوي من رواية يحيى بن سعيد، وروى عمر بن شبة بإسناد صحيحعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ‏”‏ أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدقبثمغ ‏”‏ وللنسائي من رواية سفيان عن عبد الله بن عمر ‏”‏ جاء عمر فقال‏:‏ يا رسولالله إني أصبت مالا لم أصب مالا مثله قط، ‏”‏ كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهممن خيبر من أهلها ‏”‏ فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر وأن مقدارها كان مقدارمائة سهم من السهام التي قسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين من شهد خيبر، وهذهالمائة السهم غير المائة السهم التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من جزئهمن الغنيمة وغيره، وسيأتي بيان ذلك في صفة كتاب وقف عمر من عند أبي داود وغيره،وذكر عمر بن شبة بإسناد ضعيف عن محمد بن كعب أن قصة عمر هذه كانت في سنة سبع منالهجرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنفس منه‏)‏ أي أجود، والنفيس الجيد المغتبط به، يقالنفس بفتح النون وضم الفاء نفاسة‏.‏

وقال الداودي‏:‏ سمي نفيسا لأنه يأخذ بالنفس‏.‏

وفي رواية صخر بن جويرية ‏”‏ إني استفدت مالا وهو عندي نفيس فأردتأن أتصدق به ‏”‏ وقد تقدم في مرسل أبي بكر بن حزم أنه رأى في المنام الأمر بذلك،ووقع في رواية للدار قطني إسنادها ضعيف ‏”‏ أن عمر قال‏:‏ يا رسول الله إني نذرت أنأتصدق بمالي ‏”‏ ولم يثبت هذا وإنما كان صدقة تطوع كما سأوضحه من حكاية لفظ كتابالوقف المذكور إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فكيف تأمرني به‏)‏ ‏؟‏ في رواية يحيى بن سعيد ‏”‏ أن عمراستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق‏”‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها‏)‏ أي بمنفعتها، وبين ذلكما في رواية عبيد الله بن عمر ‏”‏ احبس أصلها وسبل ثمرتها ‏”‏ وفي رواية يحيى بنسعيد ‏”‏ تصدق بثمره وحبس أصله‏”‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث‏)‏ زادفي رواية مسلم من هذا الوجه ‏”‏ ولا تبتاع ‏”‏ زاد الدار قطني من طريق عبيد الله بنعمر عن نافع ‏”‏ حبيس ما دامت السماوات والأرض ‏”‏ كذا لأكثر الرواة عن نافع، ولميختلف فيه عن ابن عون إلا ما وقع عند الطحاوي من طريق سعيد بن سفيان الجحدري عن ابنعون فذكره بلفظ صخر بن جويرية الآتي، والجحدري إنما رواه عن صخر لا عن ابن عون، قالالسبكي‏:‏ اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقي ‏”‏ تصدقبثمره وحبس أصله لا يباع ولا يورث ‏”‏ وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبي صلى اللهعليه وسلم بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر، قلت‏:‏ قدتقدم قبل خمسة أبواب من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ ‏”‏ فقال النبي صلى اللهعليه وسلم تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره ‏”‏ وهي أتمالروايات وأصرحها في المقصود فعزوها إلى البخاري أولى، وقد علقه البخاري فيالمزارعة بلفظ ‏”‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ تصدق بأصله لا يباع ولايوهب ولكن لينفق ثمره فتصدق به ‏”‏ وحكيت هناك أن الداودي الشارح أنكر هذا اللفظ،ولم يظهر لي إذ ذاك سبب إنكاره، ثم ظهر لي أنه بسبب التصريح برفع الشرط إلى النبيصلى الله عليه وسلم، على أنه ولو كان الشرط من قول عمر فما فعله إلا لما فهمه منالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له ‏”‏ احبس أصلها وسبل ثمرتها ‏”‏ وقوله‏:‏ ‏”‏تصدق ‏”‏ صيغة أمر وقوله‏:‏ ‏”‏ فتصدق ‏”‏ بصيغة‏:‏ الفعل الماضي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابنالسبيل‏)‏ جميع هؤلاء الأصناف إلا الضيف هم المذكورون في آية الزكاة، وقد تقدمبيانهم في كتاب الزكاة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏”‏ ولذي القربى ‏”‏ يحتمل أن يكون في من ذكر في الخمس كماسيأتي بيانهم، ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي،والضيف معروف وهو من نزل بقوم يريد القرى وقد تقدم القول فيه في الهبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يأكل منها بالمعروف‏)‏ تقدم البحث فيه قبل أبواب، قالالقرطبي‏:‏ جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أنالعامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة،وقيل القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأولىأولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو يطعم‏)‏ في رواية صخر ‏”‏ أو يؤكل ‏”‏ بإسكان الواووهي بمعنى يطعم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏غير متمول فيه‏)‏ وفي رواية الأنصاري الماضية في آخرالشروط ‏”‏ غير متمول به ‏”‏ والمعنى غير متخذ منها مالا أي ملكا، والمراد أنه لايتملك شيئا من رقابها، و ‏”‏ مالا ‏”‏ منصوب على التمييز، وزاد الأنصاري وسليمقال‏:‏ فحدثت به ابن سيرين فقال‏:‏ ‏”‏ غير متأثل مالا ‏”‏ والقائل ‏”‏ فحدثت به‏”‏ هو ابن عون راويه عن نافع، بين ذلك الدار قطني من طريق أبي أسامة عن ابن عرنقال‏:‏ ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره، زاد سليم‏:‏ قال ابن عون‏:‏ وأنبأني منقرأ هذا الكتاب أن فيه ‏”‏ غير متأثل مالا ‏”‏ وفي رواية الترمذي من طريق ابن عليةعن ابن عون ‏”‏ حدثني رجل أنه قرأها في قطعة أديم أحمر ‏”‏ قال ابن علية‏:‏ وأناقرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر كذلك‏.‏

وقد أخرج أبو داود صفة كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريقال‏:‏ ‏”‏ نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله ابن عمر ‏”‏ فذكره وفيه‏”‏ غير متأثل ‏”‏ والمتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة هو المتخذ، والتأثلاتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء أصله، قال الشاعر‏:‏ وقد يدركالمجد المؤثل أمثالي واشتراط نفي التأثل يقوي ما ذهب إليه من قال‏:‏ المراد منقوله‏:‏ ‏”‏ يأكل بالمعروف ‏”‏ حقيقة الأكل لا الأخذ من مال الوقف بقدر العمالةقاله القرطبي، وزاد أحمد من طريق حماد بن زيد عن أيوب فذكر الحديث، قال حماد‏:‏وزعم عمرو بن دينار أن عبد الله بن عمر أن يهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر،وكذا رواه عمر بن شبة من طريق حماد بن زيد عن عمر؛ وزاد عمر بن شبة عن يزيد بنهارون عن ابن عون في آخر هذا الحديث ‏”‏ وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلىالأكابر من آل عمر ‏”‏ ونحوه في رواية عبيد الله بن عمر عند الدار قطني‏.‏

وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد ‏”‏ يليه ذوو الرأي من آل عمر ‏”‏فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذوي الرأي من أهله ثم عين عند وصيته لحفصة، وقدبين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال‏:‏ هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابهالذي عند آل عمر فنسختها حرفا حرفا ‏”‏ هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين فيثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي منأهلها‏”‏‏.‏

قلت‏:‏ فذكر الشرط كله نحو الذي تقدم في الحديث المرفوع ثم قال‏:‏‏”‏ والمائة وسق الذي أطعمني النبي صلى الله عليه وسلم فإنها مع ثمغ على سننه الذيأمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقا يعملون فيه فعل‏.‏

وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم ‏”‏ وكذا أخرج أبو داود فيروايته نحو هذا‏.‏

وذكرا جميعا كتابا آخر نحو هذا الكتاب، وفيه من الزيادة ‏”‏ وصرمةبن الأكوع والعبد الذي فيه صدقة كذلك ‏”‏ وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه فيخلافته لأن معيقيبا كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين،فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باللفظ وتولى هو النظر عليهإلى أن حضرته الوصية فكتب حينئذ الكتاب، ويحتمل أن يكون أخر وقفيته ولم يقع منه قبلذلك إلا استشارته في كيفيته‏.‏

[المصدر: فتح الباري]

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى