مقالات

حوكمة صندوق الأوقاف والزكاة

آن بنت سعيد الكندي:

بنوك إسلامية في القارة الأوروبية منذ أكثر من أربعين عاما، ألم تتعجب؟ في حين أن الصناعة البنكية التقليدية عمرها أكثر من 400 سنة عند الغرب والتي أسست لما نراه اليوم. ما الذي جعل Deutsche Bank و HSBCكبرى البنوك الأوروبية تدخل في عالم الصكوك الإسلامية، و تعرض خدمات مالية مطابقة لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحة؟ ربما نجد الإجابة عندما نعلم اليوم أن حجم الاقتصاد الإسلامي أكثر من 2.3 تريليون دولار. والإجابة الأخرى أن هذه البنوك أرادت تقديم منتج و خدمات تتوافق مع المعقدات الدينية لأكبر المستثمرين العرب أصحاب الودائع المالية الضخمة لديها خوفا من فقدانهم. إذن هو توجه تجاري بحت جعل هذه البنوك تقتنص الفرصة، و يكون لها السبق غير مباليةً ما إذا كانت مقتنعة بمبادئ الشريعة الإسلامية.

الحدث الأبرز الذي يجب أن يُذكر في هذا السياق هو القرار الذي اتخذته إمارة دبي لأن تكون عاصمة للاقتصاد الإسلامي، مؤسسةً مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، كجزء من مركز دبي التجاري العالمي.

ما أود قوله هو أن مفهوم “الاقتصاد الإسلامي” الذي هو ليس بجديد إلا انه فرض نفسه حين نعرف أن حجم تجارة الأكل الحلال تقدر اليوم تريليون دولار أمريكي.

دبي أرادت أن تنافس لندن في أن تكون مركزا للاقتصاد الإسلامي، مدركة وجود الطلب على قطاع التمويل الإسلامي خاصة الصكوك، مستفيدة من الأهمية المتزايدة و النظرة الايجابية التي اكتسبتها وسائل التمويل الإسلامية بعد الأزمة العالمية في عام 2008، مع توقع بنمو الاقتصاد الإسلامي بأكثر من 15% سنويا.

إن وجود هذا المركز في دبي سيوفر لها سيولة كبيرة و حركة تجارية نشطة تدعم قطاعها اللوجستي، حيث بلغت تكاليف العمليات اللوجستية للأغذية الحلال 151 مليار دولار في عام 2013.

يجب أن ندرك أن البنوك الإسلامية ما هي إلا وسائل بنكية لتقديم خدمات مالية، فلمن تقدم بنوكنا الإسلامية خدماتها؟.

و حتى أُجيب على هذا التساؤل أبدأ بما ذكره الشيخ محمد الحارثي رئيس الجمعية الاقتصادية العمانية في مقاله الصادر في 25 يونيو 2014 بجريدة عمان بعنوان قرار هيئة حماية المستهلك بين الحكومة والمجتمع: تستخدم بعد ذلك السياسات المالية سواء عن طريق الضرائب أو الأدوات الشرعية من خلال تحسين مستوى جباية الزكاة لتعزيز الموارد المالية الكفيلة بتوفير العيش الكريم للمواطن، وإذا لم يكن بوسعها فعل ذلك عليها أن توفر البيئة التنظيمية والتشريعية من قبيل إصدار قانون الزكاة. إذا كانت بنوكنا الإسلامية والتي تجاوزت حجم أصولها مليار ريال عماني لم تتمكن من تطوير والارتقاء بإدارة الأوقاف العمانية فما هي منافذها الاستثمارية؟ وماذا استفادت الأوقاف من توفر خدمات بنكية مطابقة للشريعة الإسلامية في تنمية أموال وأصول الأوقاف؟ إذا كان عذرها في السابق عدم وجود صيرفة إسلامية في السلطنة، فما هو عذرها اليوم؟

في هذا السياق فإن أبرز التجارب الناجحة الجديرة بالذكر هي التجربة الماليزية إذ تقدر أصول صندوق الحج الماليزي بمئات الملايين، حيث بُني على فكرة ذكية قامت على استثمار مدخرات الماليزيين لتأدية الحج، مع تقديمها عائدا سنويا للمستثمرين.

أما الواقع العماني فيما يتعلق بالزكاة و إدارتها، فقد ذُكر في جريدة عمان بعددها الصادر بتاريخ 31 ديسمبر 2014 تحت عنوان “أعلى إيراد في تاريخ دائرة الزكاة ” حيث بلغ حجم الزكاة في السلطنة لعام 2014 ما يقارب نصف مليون ريال عماني، هذا الرقم المُخجل يجعلنا نقف حائرين، فإذا ما وضعنا اليوم حسبة متواضعة وهي 300 ألف عماني يدفع مبلغ 30 ريال هذا يعني 9 ملايين ريال عماني سنويا كفيلة بأن تحقق سبل العيش الكريم لذوي الدخل المحدود وحتى تكاليف الدراسة لبعض الحالات.

أحاول هنا أن أرسم صورة متواضعة للتكافل الاجتماعي العماني الذي يمكن أن توفر له الصيرفة الإسلامية سُبل استثمار متوافقة للمبادئ الشريعة. آخذين في الاعتبار أن هناك اليوم عمانيين قادرين على تأدية زكاتهم بمبالغ سداسية الأصفار، فلماذا يعزف العماني عن دفع الزكاة عبر القنوات الرسمية؟ الجواب في رأي بسيط، المُزكي العماني بحاجة إلى نظام شفاف يتبع الحوكمة الإسلامية، أهم شروطه وجود مدقق محاسبي مستقل فكيف يكون ذلك؟ آن الأوان لأن تدخل الأوقاف مرحلة جديدة هيئت لها السلطنة كل سبل النمو، عبر فتح السوق العمانية بنكين إسلاميين بالإضافة إلى منافذ صيرفة إسلامية في البنوك التقليدية و تهيئة البيئة التشريعية لنمو أدوات الاقتصاد الإسلامي.

إن الأوقاف بالسيولة النقدية والعقارات التي وضعت من أجل غاية نبيلة آن لها أن تدار بصندوق للأوقاف بآلية الاستثمار الإسلامي.

فعلى سبيل المثال فإن عقارات الوقف توفر لها الصيرفة الإسلامية سبل التمويل المطابقة للشريعة الغراء مما ينقلها نقلة نوعية في الاستثمار العقاري، فما الذي يوقف الوَقْف العماني من النمو؟ كما أن جباية الزكاة لا يجب أن تكون في شهر رمضان الكريم فقط، إذ لا بد من تأسيس ثقافة تكافلية أخرى للمجتمع العماني.

إن تأسيس صندوق الأوقاف يعني منظومة استثمارية إسلامية، ستشجع على دخول مستثمرين جدد إلى سوق مسقط للأوراق المالية، حيث أن هناك من المستثمرين من يود الاستثمار في أسهم مطابقة للشريع، و يحجم عن غيرها من الاستثمارات تاركا أمواله المدخرة معطله بلا استثمار وبالتالي لا تساهم في تنمية الاقتصاد العماني.

إن صندوق الأوقاف من شأنه أن يخفف العبء على موازنة الدولة، إذا انه من السهولة بمكان أن تصل قيمة هذا الصندوق إلى 100 مليون ريال عماني خلال فترة وجيزة سيستخدم ريعه لتوفير سبل الحياة الكريمة لذوي الدخل المحدود. فماليزيا اليوم تبلغ حجم صناديقها الإسلامية بإجمالي أصول 25 مليار دولار أمريكي عينها على المستثمر الخليجي لجذبه لأسهم متوافقة مع الشريعة، نحن أولى بها.

و حتى نبدأ من حيث انتهى الآخرون، فقد أعلنت ماليزيا في مارس 2013 حسب ما نقلت وكالة رويترز، أنها في صدد مراجعة طرق إدارة الوقف الماليزي الذي يبلغ حجمه اليوم حوالي 400 مليون دولار أمريكي بأن تديره مؤسسات استثمارية متخصصة عوضاً عن المؤسسة الدينية.

لا يسعني أن اختتم مقالي دون أن أتطرق إلى منتدى عمان للاقتصاد الإسلامي الذي عُقد على فترتين كانت الأولى في عام 2011 و الثانية في عام 2013، و الذي أوصى بأهمية وجود خطة وهيكلة للنهوض بقطاع الصيرفة الإسلامية العماني ، و دور الزكاة والأوقاف والصدقات في تطوير الاقتصاد.

كما أنني لا أعتقد أن المجتمع العماني لا يرغب أن يؤدي الركن الثالث من أركان الإسلام الخمسة متى ما توفرت له آليات الحوكمة الرصينة.

المصدر: صحيفة عُمان العمانية اليومية – 18/ 4/ 1436 =7 / 2/ 2015

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى