وقف مؤانسة المرضى
الدكتور خالد بن هدوب المهيدب:تحتضن مستشفياتنا ومراكزنا الطبية فئة مع قلتها إلا أنها تحتاج إلى عناية ورعاية خاصة، نظراً لافتقاد بعضهم لأهله وأقاربه، أو بعدهم عنه، أو عقوقهم له عياذًا بالله. وقد وقفت على حالات لمرضى في بعض مستشفياتنا حالاتهم مستعصية ولا يجدون من يرعى شؤونهم ويقوم على رعايتهم والتخفيف عنهم وتأمين احتياجاتهم، وهذه الحالات الإنسانية تحتاج إلى التفاتة وعناية من قبل المحسنين والباذلين من خلال التعاقد مع أشخاص مؤهلين، مهمتهم مؤانسة مثل هؤلاء المرضى ومرافقتهم إن كانت حالتهم تستدعي من يلازمهم ومتابعة احتياجاتهم والتخفيف والترويح عنهم.
وتاريخنا الإسلامي يحمل في طياته جملة من الأوقاف الضخمة التي كانت تسمى بـالبيمارستانات، خصصها واقفوها لعلاج المرضى والعناية بالمصابين بأمراض مزمنة، والمنقطعين ممن لا عائل لهم، ومن تخلى عنهم أهلوهم وذووهم. ومن ذلك البيمارستان العضدي ببغداد والبيمارستان النوري في دمشق والبيمارستان المنصوري في القاهرة، وبيمارستان مراكش والبيمارستان المقتدري، ويقدم للمرضى إضافة للعناية والرعاية الطبية المأكل والمشرب واللباس، وبعضها خصص لعلاج الفقراء دون الأغنياء مثل البيمارستان الذي أنشأه نور الدين زنكي -رحمه الله- في دمشق، وقد نص السلطان قلاوون في كتاب وقفية البيمارستان الذي أنشأه على أن تمتد الرعاية الصحية إلى الفقراء العاجزين ويصرف لهم ما يحتاجون من أدوية وأغذية. ويذكر المفكر الدكتور مصطفى السباعي في كتابه الجميل “روائع حضارتنا” أن من الرعاية الاجتماعية والنفسية للمريض أنه وجد وقفاً خُصِّص ريعه لتوظيف اثنين يمران بالبيمارستان يومياً فيتحدثان بجانب المريض حديثاً خافتاً ليسمعه المريض عن احمرار وجهه وبريق عينيه بما يوحي له بتحسين حالته الصحية. نتطلع أن يتصدر الواقفون والمؤسسات الوقفية المانحة إلى تخصيص جزء من مصارف أوقافهم لتغطية هذا المجال الإنساني متعدي النفع فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة…”. رواه مسلم.