متى يلتفت الواقفون إلى حفظ النّعمة؟
نشرت “صحيفة الاقتصاديّة” تقريرا عن متطوّعين يجمعون بقايا الخبز. ثم استطلعت آراء بعض النّاشطين في المجال الخيريّ ودعت إلى تفعيل المشروع واستمراره. ومن بين أولئك من أكّد على دور الأسرة والمدرسة والمجتمع بأكمله في التّوعية بحفظ النّعمة؛ مشيرا إلى أنّ خطورة الترف المادي الذي يعيشه البعض، وسهولة الحصول على المأكل والمشرب أصابت البعض بنوع من الخمول واللامبالاة، وربما انعدام الشعور بالمسؤولية نحو مصدر مهم لحياة البشر.
وممن استطلع رأيه من أشار إلى أنّ من تطور المجتمعات أن يكون لكل قضية من يهتم بها من أفراد ومؤسسات ومتبرعين، لافتا إلى تنوع الوقف في التاريخ الإسلامي، والذي شمل الكثير من الاهتمامات التي لا تخطر على بال.
وفيما يلي نصّ التّقرير:
متطوعون يجمعون بقايا الخبز.. ومطالب بتفعيل وسائل الحفظ والتوزيع
لا جدال حول أهمية حفظ النعمة، سواء كانت صالحة للاستخدام الآدمي أو الحيواني، فهي من تقدير وشكر نعمة الله علينا، والخوف من زوالها، والله عز وجل يقول {لئن شكرتم لأزيدنكم}، ومن الشكر حفظ النعمة من الامتهان ووضعها في المكان المناسب وإعادة استخدامها.
“الاقتصادية” رصدت مشهدين، أحدهما لعربة وضعت في وسط جزيرة في أحد شوارع الرياض يقوم أحدهم بجمعه بين فترة وأخرى لإطعام الحيوانات، والمشهد الثاني لشخص يقوم بفرد الخبز على زجاج سيارة لأجل تجفيفه ومن ثم يقوم بطحنه للطيور. كلا المشهدين يدعو إلى تطوير وتحديث العمل نحو حفظ النعمة، ومساهمة الجهات سواء الحكومية أو الأهلية ومحبي الخير والعمل التطوعي والمستهلكين بإيجاد وسيلة تسهم في حفظ النعمة والاستفادة منها في إطعام الإنسان أو الحيوان والطيور.
متطوعون ومهتمون بالشأن الأسري ومستهلكون يرون أن الأمر يجب تفعيله وباستمرار، إضافة إلى أهمية الاقتصاد في الأكل والشرب وعدم شراء ما يفوق الحاجة، وهذا من الدعوة إلى عدم الإسراف والتبذير، وتحقيق نتيجة مهمة في المحافظة على النعمة من جانب، وفي توفير وعدم شراء ما لا نحتاج إليه، وهذا جانب اقتصادي يفيد الأسرة. الدكتور صالح بن سعد الأنصاري الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع رئيس اللجنة الطبية في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، أكد أن من تطور المجتمعات أن يكون لكل قضية من يهتم بها من أفراد ومؤسسات ومتبرعين، لافتا إلى تنوع الوقف في التاريخ الإسلامي، والذي شمل الكثير من الاهتمامات التي لا تخطر على بال. وأشار إلى أنه حان لهذا الأمر أن ينبري له أحد المهتمين، وأنا على اطلاع على تجارب في هذا المجال إلا أنها متواضعة. ودعا الدكتور الأنصاري إلى التواصل والنقاش والبحث وتفعيل أمر المحافظة على النعمة وعدم امتهانها والوقوف على التجارب السابقة التي بدأت في هذا المجال وتطويرها، فهو يستحق أن تعد من أجله اجتماعات للتدارس. وأشار الأنصاري إلى جوانب تساعد في حفظ النعمة والتي تحتاج إلى تطوير، منها استعمال التوعية في حفظ النعمة، مساعدة الناس على التخطيط قبل الحفلات لطرق الاستفادة من الأكل الزائد، تطوير طرق النقل والتخطيط له مبكرا، تطوير وسائل الحفظ للأطعمة على اختلافها، تطوير وسائل التوزيع، الإعلان عن وجود الجهات المهتمة بجمع الفائض من الأطعمة الصالحة للاستخدام الآدمي فقد لا يعرف عنها الكثيرون، الاهتمام بالأطعمة غير المناسبة للاستهلاك الآدمي، والاستفادة منها لتغذية الحيوانات والطيور.
من جانبه، أوضح الشيخ أحمد البليهد المهتم بالشأن الأسري، أهمية دور الأسرة في المحافظة على النعمة، من خلال دور الأبوين وغرس هذا الأمر في نفوس أبنائهم منذ نعومة أظفارهم. ولفت إلى أن النعمة ليست فقط الأكل والشرب، بل النعمة هو المال الذي بين أيدينا، وكيف نتعلم الاستفادة منه وفق احتياجاتنا لأهوائنا، والتذكير بأن المال مسؤولون عنه أمام الله عز وجل.
وأشار الشيخ البليهد إلى أدوار جهات أخرى، مثل المدارس في غرس مفهوم المحافظة على النعمة، كاشفا عن المشاهد المؤلمة من رمي الأطعمة والأشربة على الأرض بعد انتهاء الفسحة في منظر لا يمت للتربية بشيء، إضافة إلى دور المسجد وأهمية التذكير والتوعية وخاصة خلال هذه الأيام، ودعا إلى تعاون جماعة المسجد للمنازل المجاورة له بدعم وإيجاد وسائل يشارك فيها جميع أفراد الأسرة نحو تعزيز مفهوم المحافظة على النعمة، والبحث عمن يستفيد من النعمة المتبقية في إطعام الأغنام وغيرها من الحيوانات التي لدى البعض، والاتفاق مع كل بيت في أن يتم إخراج المتبقي من النعمة في وقت ويوم محدد ليتم نقلها من قبل أشخاص يستفيدون منها.
أما عبد العزيز بن محمد الرويس من المهتمين بالجانب الاقتصادي والاستهلاكي، فأكد على دور المجتمع بأكمله، مشيرا إلى أن الترف المادي الذي يعيشه البعض، وسهولة الحصول على المأكل والمشرب وحضور المناسبات والحفلات والزواجات وما يقدم فيه من مأكل ومشرب، الكثير منها لا يؤكل، أصابت البعض بنوع من الخمول واللامبالاة، وربما انعدم الشعور بالمسؤولية نحو مصدر مهم لحياة البشر. وعليه فالأمر لا يقتصر على الجانب الاقتصادي للحد ولو بشيء قليل، وإنما الجانب الديني لجميع أفراد الأسرة، وخاصة فئة الشباب والصغار، الذين لا يعون معنى المحافظة على النعمة، وما كان يقاسيه آباؤهم وأجدادهم قبل عشرات السنين.
ومن هنا، يؤكد الرويس على دور نفسي يجب أن يستخدمه الآباء والأمهات مع أولادهم، ألا وهو استخدام أسلوب الحرمان من بعض الطلبات، وتعويدهم على أن كل مطلب لا يمكن تحقيقه، ليستشعروا صعوبة الحصول على الشيء، ومن ثم عند حصولهم عليه تصبح المحافظة عليهم عادة لديهم. وهذا الأمر ينطبق على النعمة التي نحن بصدد الحديث عنها، وعدم وضع الأطعمة الزائدة على الحاجة وتقنين شراء بعض الأطعمة. ومن وسائل التربية عدم تعويد الأبناء على الأكل حتى الشبع، وتحذيرهم من وسائل الإعلانات للأطعمة وخاصة الجاهزة، وزرع فضيلة الإيثار في نفوسهم عند الأكل مع بعضهم البعض، وتذكيرهم بما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأكل القليل الذي يقيم صلب الجسم، لما في ذلك من فوائد صحية وجسمانية على المدى البعيد.
المصدر: الاقتصادية ـ 30/ 7/ 1431