مشروعية الوقف
“وقفنا ـ الجمعة 13 جمادى الأولى 1427”
ويدخل الوقف تحت عموم الآيات الداله على الإنفاق في البر كقول الله عز وجل { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } [آل عمران 115] , وقوله تعالى : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } [الحج 77] , وقوله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض } [البقرة 267] , وقوله عز وجل : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران 92 ] . إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على الإنفاق في وجوه الخير والبر, ويدخل تحتها الوقف باعتباره إنفاقا للمال في جهات البر.
أما السنة الشريفة فقد ثبت الوقف بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – وفعله وإقراره بما ورد في شأنه من أحاديث عدة منها :
1 – روى الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :” إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء : صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له “
2 – روى الجماعة عن ابن عمر رضي الله عنهما “أن عمر أصاب أرضا من أراضي خيبر فقال : يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر , لم أصب مالا قط أنفس عندي منه , فما تأمرني ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن شئت حبست أصلها , وتصدقت بها , فتصدق بها عمر على أن لا تباع , ولا توهب , ولا تورث , في الفقراء , وذوي القربى والرقاب , والضيف , وابن [ص 7] السبيل , لا جناح على من وليها , أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول” وفي لفظ “غير متأثل مالا “.
3 – روى النسائي والترمذي وقال حديث حسن عن عثمان رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة, فقال : “من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة”. [قال عثمان: ]فاشتريتها من صلب مالي.
وأما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للوقف فقد ابتدأ بمسجد قباء؛ الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم إلى المدينة قبل أن يدخلها , ثم المسجد النبوي في المدينة المنورة . كما وقف – صلى الله عليه وآله وسلم – سبعة حوائط لرجل من اليهود يدعى مخيريق، قتل يوم أحد, وكان قد أوصى: “إن أصبت فأموالي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – يضعها حيث أراه الله .
وأما إقراره فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه , أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال : “فأما خالد فقد احتبس أدراعه , وأعتاده في سبيل الله” (متفق عليه).
و أجمع الصحابة – رضي الله عنهم – على جواز الوقف , فقد قال جابر رضي الله عنه:”لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذو مقدرة إلا وقف”. قال ابن قدامة :” وهذا إجماع منهم , فإن الذي قدر على الوقف منهم , وقف . واشتهر ذلك [ص 8] فلم ينكره أحد, فكان إجماعا.
وجواز الوقف ولزومه بما يتضمنه من المصلحة العامة , والخاصة يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فقد سن النبي – صلى الله عليه وآله سلم – الوقف لمصالح لا توجد في سائر الصدقات الأخرى, فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالا كثيرا ثم يفنى , فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى , ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين . فلا أحسن , ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء , وأبناء السبيل؛ تصرف عليهم منافعه, ويبقى أصله.
إنّ سد حاجة المعوزين ثمرة من ثمرات الوقف, وليست كل ما يحققه بل إفادته عامة لجوانب الحياة المختلفة بما يؤدي إليه من تماسك المجتمع , وتطوره , وحيوية شبكة علاقاته الاجتماعية , وغير ذلك من الثمرات العديدة.
[المصدر: الدّكتور عبد الله بن حمد العويسي. الوقف ـ مكانته وأهمّيّته الحضاريّة، ص 6 ـ 9]