موضوع “الوقف” كما جاء في الموسوعة العربية العالمية ـ 2
“وقفنا ـ السبت 7 ذي الحجة 1426”
مشروعية الوقف في الإسلام
أجمع غالب العلماء على أن الوقف مشروع؛ فقد ندب إليه الإسلام ورغّب فيه، وجعله من أفضل القربات المستمرة الدائمة التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى، قال النبي [صلى الله عليه وسلم]” : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”، ومن المتفق عليه بين جمهور علماء الإسلام، أن الصدقة الجارية هي: الوقف.
وفي> (من احتبس ـ أي وقف ـ فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا، فإنّ شِبَعَه ورِيَّه وروْثه وبوْلَه في ميزانه يوم القيامة حسنات) .
ولمّا هاجر النبي ³ إلى المدينة، لم يكن بها ماء يُستعذب غير بئر رومة، وكانت لرجل من بني غفار، وكان يغالي في بيع الماء منها، فقال النبي ³: (منْ يشتري بئر رومة بخير له منها في الجنة؟) فاشتراها عثمان بن عفان بخمسة وثلاثين ألف درهم، فقال له النبي ³: (اجعلها سقاية ـ أي سبيلاً ووقفًا ـ للمسلمين وأجرُها لك، ففعل) .
وحينما استشار عمر بن الخطاب الرسول ³ في قطعة أرض ملكها بخيبر يقال لها ثمغ لم يملك قط أنْفَس منها، قال له: احبس أصلها، وسبّل ثمرتها، فوقفها عمر على ألا تُباع ولا توهب ولا تورث، وأن ينتفع بها الفقراء وذوو القربى والرقاب ـ أي العبيد ـ والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها ـ أي ناظر الوقف ـ أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا له بالمعروف.
والحوادث الدالة على مشروعية الوقف كثيرة، فقد وقف الرسول ³ ووقف الصحابة. ووقف الرسول ³ سبعة حوائط ـ أي بساتين ـ كان قد فوّضه بها أحد المحاربين الذين قتلوا، فجعلها النبي ³ على الفقراء والمساكين والغزاة المجاهدين وذوي الحاجات.
ووقف المسلمون مسجد قُباء أول مسجد بني في الإسلام في بداية الهجرة، ثم وقفوا المسجد النبوي، وكان أرض بستان لبني النجار، فأراد النبي ³ أن يدفع لهم ثمنه فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى، فسُرّ لذلك، ثم شرع في بنائه مسجدًا.
ووقف أبو بكر وعلي ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعائشة بنت أبي بكر وصفية بنت حيي. ووقف خالد بن الوليد دروعه وفرسانه وعتاده في سبيل الله تعالى.
ووقف أبو طلحة الأنصاري أرضًا نفيسة يقال لها: بيرحاء وفيها ماء عذب طيب، فجعل كل ذلك في فقراء قرابته، استجابة لتوجيه النبي ³، الذي قال له: (أرى أن تجعلها في الأقربين) وحَفَر سعد بن عبادة بئرًا وسبلها لأمه. ووقف الزبير بن العوام دارًا له على المردودة ـ أي المطلّقة ـ من بناته، وعلى الفاقدة التي مات زوجها. ووقفت صفية بنت حيي زوج النبي ³ على أخ لها يهودي. قال جابر بن عبدالله الأنصاري: ما أعلم أحدًا ـ من الصحابة ـ ذا مقدرة، إلا حبس مالاً من ماله، صدقة موقوفة، لا تشترى ولا تورث ولا توهب.
وهكذا، فالوقف مشروع في الإسلام، وأوقاف الصحابة معروفة ومنقولة، وكانوا لا يبتغون من ذلك إلا مرضاة الله تعالى والتقرب إليه وطاعته بالعمل الصالح.
أهداف الوقف في الإسلام. إن الهدف الأسمى في الوقف هو التقرب إلى الله تعالى بالطاعة، وتحقيق رضوانه، ونيل ثوابه المتجدد، طيلة استدامة أعمال البر والمعروف والإحسان إلى خلقه، ويظهر هذا جليا في الحديث السابق ذكره: (من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده كان شبعه، وريه، وروثه، وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة) . وقل نحو هذا في بقية الأحاديث السابقة.
غير أنه يضاف إلى هذا الهدف أهداف أخرى مهمة أيضًا، قصدها الإسلام لكونه دينًا للحياة السعيدة، جاء لتحقيق مصالح الإنسانية وهدايتها للتي هي أقوم، ومن تلك الأهداف ما يلي: 1- تنظيم الحياة بمنهج حميد متوازن، يقوّي الضعيف، ويعين العاجز، ويحفظ حياة المعْدم ويرفع من مستوى الفقير، في الوقت الذي تُحترم فيه إرادة الواقف، وتُحقّق رغباته الإيجابية المشروعة، من غير إضرار به أو ظلم يقع عليه. 2- تحقيق منافع معيشية واجتماعية وثقافية مستمرة ومتجددة في أزمنة متطاولة، وذلك من خلال وقف الخانات ـ الفنادق ـ والسقايات والمستشفيات ودور العجزة، والمساجد والمصاحف والكتب والمدارس، ونحوها مما سيأتي بيانه. 3- إطالة مدة الانتفاع بالمال إلى أجيال متتابعة، حيث تستفيد الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة. 4- تأمين الواقف مستقبل أقربائه وذريته وغيرهم من الأجيال اللاحقة، وذلك بإيجاد موْرد ثابت لهم، يدفع عنهم الحاجة والعَوَز؛ لأنه قد لا يتهيأ للأجيال اللاحقة جمع ثروات تحميهم من عوادي الدهر. 5- استمرار حصول القربة والثواب للواقف في حياته وبعد مماته.
وهكذا، فإن مجموعة الأهداف المتقدمة تدل على سمو البواعث الوقفية في الإسلام، ونبل مقاصدها الإنسانية، ولعل مجموع هذه الأهداف أو بعضها هي التي جعلت الإمام الشافعي يقول: (إن أهل الجاهلية فيما علمت لم يحبسوا (أي يقفوا ) تبررًا (أي طاعة) وإنما حبس المسلمون).
أنواع الوقف. ينقسم الوقف إلى نوعين اثنين، أولهما: الوقف الأهلي والذُّري، حيث يخص الواقف بمنافع وقفه أناسًا من أقربائه وأولاده وذريتهم من بعدهم. وثانيهما: الوقف الخيري الذي يبادر فيه إلى تقديم الخدمة الاجتماعية المجانية لأصناف وفئات عامة متنوعة في المجتمع الإنساني كالفقراء والمرضى والعميان والأيتام واللّقطاء وطلاب العلم والمعرفة ونحوهم ممن سيأتي بيانهم.
وهذا التقسيم لأنواع الوقف تقسيم فقهي حديث، لا يخرج على حقيقة الوقف الشامل الذي عرفه الأقدمون ومارسوه بنوعيه؛ تحقيقًا لمعاني الخير والبرّ والإحسان، التي يمكن أن يخص الأقرباء بها، كما في إرشاد النبي ³ لأبي طلحة في القصة المتقدمة إذ أمره أن يجعلها في الأقربين كما يمكن أن تشمل عامة الناس، مسلمين وغير مسلمين، كما في إرشاد النبي ³ لعمر في القصة المتقدمة أيضًا: (احبس أصلها ـ أي أرض الوقف ـ وسبّل ثمرتها).
هذا، ومن الأمور المقررة في الإسلام أن صلة الأقرباء وبخاصة المحتاجين أولى وأفضل من صلة غيرهم، وهذا سر تقديم الله تعالى لهم في الترتيب على من سواهم في قوله: ﴿وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب﴾ البقرة: 177 . وفي الحديث الشريف: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ـ أي القريب المسكين ـ اثنتان: صدقة وصلة) رواه أحمد والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح.
بعض أحكام الوقف. عمل الإسلام على إرساء قواعد إيجابية بناءة للوقف، وفتح ميادين الخير به، وإفادة جوانب متعددة في الحياة الإنسانية، لتحقيق مزيد من السعادة والرقي للبشرية، وأحاط كل ذلك بتنظيم دقيق وأحكام منضبطة مفصلة؛ لتحمي هذا النشاط الخيري الإنساني من عوامل الأنانية والانحراف والزيغ عن أهدافه ومقاصده النبيلة.
ومما شرعه الإسلام في هذا، أنه اشترط في الواقف شروطًا معينة، منها: العقل والبلوغ، والتملك للمال المراد وقفه، وأن يكون الواقف حر الإرادة ـ أي غير مكره على الوقف ـ وأن لا يكون سفيهًا ـ أي لا يحسن التصرف في أمواله لطيش وسوء تدبير ـ ونحو هذا مما يعرف بشروط أَهلية التبَّرع.
كما اشترط أن يكون الوقف منجَزًا حالاً غير مؤجّل، معلومًا غير مجهول، وأن لا يكون مرهونًا بحق للغير.
وجعل الوقف لازمًا، لا خيار للواقف في الرجوع عنه، بعد صدوره منه عن رغبة واختيار؛ لأنه انتقل ـ وقتئذ ـ إلى الله تعالى، ولم يعد ملكًا للواقف، ولا ملكًا للموقوف عليه، ولهذا لا يصح بيع الوقف ولاهبته ولا توريثه؛ للحديث الذي في قصة عمر المتقدمة: (لا يُباع ولا يوهب ولا يورث) .
ودعا الإسلام إلى احترام إرادة الواقف وتنفيذ رغباته ومراعاة شروطه المشروعة، ما بقي سبيل ممكن إلى تحقيق ذلك.
ومَنَع الوقف على المحرمات والمعاصي وما لا يتقرب به إلى الله تعالى، ومثلُه ما يضر بمصالح البشر، ويُفسد العلاقات الإنسانية. كما حرم الوقف بنية الإضرار بالورثة أو حرمانهم من الميراث، ومنع حصر الوقف في الأغنياء وتخصيصهم به دون غيرهم من الفقراء؛ لما في هذا من مخالفة مبدأ التقرب إلى الله تعالى بإشاعة الخير على ضعفاء الناس ومحتاجيهم: ﴿ كي لا يكونَ دُولةً بين الأغنياء منكم﴾ الحشر: 7 .
وأمر الإسلام بأن يكون متولي الوقف ـ أي ناظره ومديره ـ متصفًا ولو بالحد الأدنى من الكمال الإنساني، فاشترط له صفة العدالة ـ أي الأمانة والنزاهة وحسن السيرة ـ والكفاءة. وشرع محاسبته والتحقق من أساليب إدارته للمال الموقوف. ورغّب في إعطائه أجرًا عادلاً على وظيفته؛ استدامة لأسباب البر والخير، وإعانة له على ما هو في سبيله.
ورغبة من الإسلام في توفير وتوسيع مجالات الخدمة الاجتماعية المجانية والتكافل بين أفراد الأمة، فقد أجاز وقف الأموال المنقولة كالمصاحف والكتب والأثاث وأدوات الطبخ ونحوها؛ ليستفيد منها المحتاج إليها، وكذلك وقف الأبقار والأغنام؛ ليشرب من لبنها الفقراء والمسافرون وأبناء السبيل وغيرهم. كما أجاز وقف الأموال الثابتة غير المنقولة كالمساجد والمدارس والمستشفيات والقناطر والجسور.
شرع الإسلام الوقف على أشخاص مبهمين غير معيّنين، لكنّهم محصورون بأوصافهم كالفقراء والعميان والمرضى وطلاب العلم، كما شرع الوقف على أشخاص معروفين ومعينين بأسمائهم.
ومن سماحة الإسلام وإنسانيته أنه أجاز الوقف على غير المسلمين من أهل الذمة، من أصحاب الديانات الأخرى المحتاجين إلى ذلك؛ إشاعة للخير، وإسعادًا للجنس البشري الذي كرمه الله تعالى، وتوفيرًا لمتطلباته الفطرية في حياة كريمة، وتقدم أن صفية زوج النبي ³ وقفت على أخ لها يهودي.
كما سمح الإسلام بوقف المُشاع غير المقسوم، ولو أنه لا يقسم مستقبلاً، بشرط أن لا يضار الشريك، كوقف دار لتُسكن، أو بقرة ليشرب لبنها، أو فرس ليجاهد عليها.
وشرع للمحسنين أن يكون وقفهم مؤبدًا لا مؤقتًا؛ ليبلغ خيرهم مداه الأقصى الممكن، في البعد الزمني على مر الأجيال اللاحقة، وتدوم لهم آثاره الطيبة وحسن ثوابه المتجدد.
وأجاز الإسلام تأجير الوقف ـ بحسب رغبة الواقف ـ للاستفادة من ريعه في مجالات البر والخير التي يحددها الواقف، أو تمليها الحاجة المشروعة. كما أجاز أيضًا بيع الوقف المتعطل للحاجة، إذا لم يعد الانتفاع به ممكنًا، ثم شراء ما يقوم مقامه ـ بحسب الإمكان ـ بالثمن الذي بيع به. وأجاز وقف المريض في مرض الموت ـ وهو المرض الذي يُتوفى فيه ـ غير أن هذا الوقف يعتبر كالوصية، ويصح منه المقدار الذي لا يتجاوز ثلث ثروة الميت، إلا إذا رضي الورثة بأكثر من ذلك.