ما هو الوقف

موضوع “الوقف” كما جاء في الموسوعة العربية العالمية ـ 3

” وقفنا ـ الأحد 15 ذي الحجة 1426

الوقف عند الأمم السّابقة
كانت بعض الأمم القديمة تمارس أنواعًا من التصرفات المالية، تلتقي في بعضأهدافها ومدلولاتها بما تقدم عنالوقفالإسلامي،وتخالفه في مجالات أخرى مهمة، عقائدية وإنسانية وحضارية، كما سيتضح فيما بعد.
ملوك البابليين كانوا يهبون بعض موظفيهم حق الانتفاع ببعض أراضيهم، دون أن يملكوها أو يتصرفوا فيها، ببيع أو هبة أو نحوهما. وكان القانون يسمح بانتقال حق الانتفاع بهذه الأراضي إلى ورثة الموظفين ـ بعد موتهم ـ بحسب الشروط الموضوعة في الاستحقاق الترتيبي.

في زمن الفراعنة. دلت الآثار المكتشفة حديثًا في مصر، على رصد بعض الناس العقارات الشاسعة على المعابد والمقابر والتماثيل؛ ليصرف ريعها في إصلاحها وترميمها واستدامتها، وتيسير إقامة الشعائر فيها، وكذلك الإنفاق على كهنتها وخدامها. وكان الدافع إلى ذلك التصرف، التقرب إلى الآلهة بحسب زعمهم.

وعمل بعض الناس في زمن الفراعنة أيضًا بما سمي حديثًا بالوقفالذري، فكانوا يخصون أولادهم وذرياتهم بريع ومنافع الأعيان المحبوسة، من غير أن يحق لهم تملّك هذه الأعيان أو تمليكها للآخرين.

وربما اشترطوا في تلك الأحباس شروطًا معينة، كإشراف الابن الأكبر من كل طبقة على إدارتها، مع التأكيد على منع التصرف بالعين ذاتها.

في زمن الرومان. طور الناس نظام الأحباس بعد ظهور النصرانية، فجعلوها في مؤسسات تابعة للكنيسة، تقوم على رعاية الفقراء والعجزة. لكنهم كانوا لا يعتدون بإضفاء المتبرّع صفة القداسة على الأرض التي احتبسها، إذا لم يقم الكاهن بإجراءاته الشكلية المعينة، وطقوسه الدينية الخاصة في هذا المجال.

وكانوا يعتقدون أن هناك أشياء مقدسة هي خالصة لله: كالمعابد والنذور والهدايا، حيث لا يجوز بيعها ولا رهنها ولا تملّكها.كما كانوا يرون أيضًا أن المكان المقدس، إذا انهدم بناؤه، فإن أرضه تبقى مقدسة.

وإضافة إلى هذا، فقد كان بعض الرومان يرصدون الأحباس على أقربائهم وذرياتهم لينتفعوا بها من بعدهم، ولما توسعوا في هذا المجال الأهلي، ترتب عليه شلل في بعض النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، فأصدر جستنيان الذي حكم في القرن السادس للميلاد ـ أمرًا بإلغاء الأحباس الأهلية إذا تجاوزت أربع طبقات، ووجوب تمليكها لهذه الطبقة الأخيرة.

الجرمان. كانوا يسمحون للمتبرع برصد كل ماله أو بعضه لأسرة معينة، مدة محدودة أو إلى حين انقراضها. وقد يكون الاستحقاق فيه لجميع أفراد الأسرة أو لبعضهم، وقد يكون للذكور أولاً، ثم للإناث من بعدهم ولم يكن من الممكن عند الجرمان بيع الأحباس أو هبتها أو توريثها، وليس لمستحقها سوى الانتفاع بريعها وثمراتها.

الأوقاف عند الأمم الحديثة. انتشرت الإرصادات الخيرية في فرنسا في عصر النهضة الحديثة، وأخذت طابعًا ذا مدلول حضاري نوعًا ما، حيث وجّهت إلى ملاجئ العجزة والمدارس ودور العبادة والمستشفيات، ولعل ذلك كان نتيجة اتصال الفرنسيين بالحضارة الإسلامية في الأندلس، وفي سواحل بلاد الشام ومصر وقت الحروب الصليبية.

وفي عهد لويس الثالث عشر في القرن السابع عشر الميلادي، وصلت الإرصادات والأحباس إلى ما يقرب من ثلث مساحة فرنسا. وحين قامت الثورة الفرنسية سنة 1789م، ألغت تلك الإرصادات، وضمتها إلى أموال الدولة، ثم اضطرت بعدئذ إلى وضع نظام خاص بالإرصادات الخيرية، يوفق ـ قدر الإمكان ـ بين فكرة الرعاية الخيرية الاجتماعية، وبين المصلحة العامة.

وفي القانون الفرنسي اليوم نوع من التصرفات المالية التي أطلق عليها اسمالهبة المتنقلة تشبه إلى حد كبير ما يعرفبالوقفالذُّريعند المسلمين، حيث أباح القانون للأب أن يهب أو يوصي بعقار إلى ولده لينتفع به، ثم إذا مات ينتفع به أولاده أو إخوانه من بعده، وهكذا من بعدهم.

كما يوجد في القانون الفرنسي اليوم نص صريح في الإرصادات الخيرية العامة، وذلك إما بإنشاء المتبرع نفسه مؤسسة خيرية كمستشفى أو ملجأ للعجزة أو مدرسة، وإما بمشاركته في مؤسسة خيرية معترف بها قانونًا، كإنشائه سريرًا أو جناحًا في مستشفى، وكإعطائه مبلغًا من المال للجامعة، لإنشاء كرسي فيها للدراسة.

النظام الأنجلو أمريكي. وفيه نوع من التصرفات المالية يسمىصندوق الائتمان، وهو أن يضع شخص ما مالاً معينًا في حيازة شخص آخر يسمىالمستفيد أوالمستحق. ومن أهدافه المعلنة: توفير الحماية المعيشية لزوجة المتبرع أو ذرّيته، وهذا ما يسمى صندوق الائتمان الواقي، كما أن من أهدافه المعلنة أيضًا تحقيق الخدمة الاجتماعية من خلال القيام بنشاطات ذات نفع عام، وهذا ما يسمى صندوق الائتمان الخيري. ولنظام صندوق الائتمان مجموعة من الأحكام التفصيلية من مثل: إمكانية كون الوصي شخصية طبيعية، أو شخصية اعتبارية كمؤسسة خيرية. ولا يلزم في صندوق الائتمان تعيين المستفيد بذاته، بل بأوصافه أو طبقته، كاليتامى أو الأحفاد. وإذا انقطعت جهة صندوق الائتمان الخيري فالقاعدة في ذلك هي صرف المال في أقرب غرض خيري مجانس للغرض الأصلي، فإن تعذر هذا، فللمحكمة صرف المال في جهة خيرية أخرى تراها. وهناك أحكام وشروط أخرى يقصد بها تنظيم وتيسير وتطوير سبل الاستفادة من نظام صندوق الائتمان، الأمر الذي سبق إليه الإسلام، وعمل به القضاة المسلمون، وذكره الفقهاء في كتب الوقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى