تطوير الوقف

خبير وقفي يضع خطوات هامّة لإحياء الوقف

أجرى مندوب شبكة إسلام أون لاين الحوار التالي مع أحد مشاهير خبراء الأوقاف في العالم العربي. واستهلّ حواره بالمقدّمة الطريفة التّالية:

بينما يوجه المصريون أصابع الاتهام إلى وزارة الداخلية التي عجزت عن السيطرة على ظاهرة الكلاب الضالة التي تهدد أمن المواطنين، فإن الوحيد في مصر الذي يحمل وزارة الأوقاف هذه المسئولية هو الدكتور إبراهيم البيومي غانم الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، وصاحب العديد من المؤلفات التي تناولت دور الوقف الخيري في التنمية.
قال مندوب الشّبكة: كان هذا الربط بين الأوقاف ومشكلة الكلاب الضالة صادما بالنسبة لي في بداية حواري مع الدكتور غانم، لكنه ما لبث أن أزال هذا اللبس، بالإشارة إلى الدور الشامل الذي لعبته الأوقاف في تنمية المجتمع، والذي شمل – أيضا – علاج مشكلة الكلاب الضالة.
يقول د.غانم في حواره: ” كان الوقف هو القاعدة الصلبة لبناء وتأسيس مرافق الخدمة العامة، والرعاية الاجتماعية، كما إنه كان المؤسسة الرئيسية التي مولت منظومة التعليم العالي وقدمت الخدمات الصحية، وحافظت على التوازن البيئي عبر العناية بالكلاب الضالة “.
فمؤسسة الوقف، كما يؤكد د.غانم كانت على قناعة تامة بأن الإبقاء على هذه الكلاب ضروريا للحفاظ على التوازن البيئي في المجتمع، فاهتمت بتوفير الطعام لها بما يجعلها لا تتحول إلى حيوانات مفترسة تهدد أمن المواطنين.
لكن وزارة الأوقاف عندما تحكمت في أموال الوقف تخلت في مرحلة ما عن هذا الدور البيئي، وتحولت مسئولية مقاومة الكلاب الضالة إلى وزارة الداخلية التي خصصت إدارة خاصة لمكافحتها يعمل فيها أشخاص يسمون بـ ” سٍٍماوي الكلاب ” وظيفتهم قتل هذه الكلاب باستخدام السم.
يكمل د.غانم : إذا أردت أن ترصد اختفاء دور الوقف في التنمية، فيمكنك اعتبار ظهور هذه الوظيفة هي البداية. فكما ألغت الدولة دور الوقف في علاج مشكلة الكلاب الضالة عبر اختراع وظيفة “سماوي الكلاب” ، تدخلت – أيضا – في كل المجالات التي كان يتحمل مسئوليتها من رعاية صحية وتعليم عالي وإنشاء مرافق.
وأردف قائلا: ” أنظر كيف صار حال المجتمع مع الكلاب الضالة، لتعرف إلى أي مدى نجح التدخل الحكومي في المجالات الأخرى ” .
وفي جولة سريعة يصحبنا د.غانم إلى حي المعادي بالقاهرة الذي يقطن فيه، ليرصد لنا واقع مشكلة الكلاب الضالة.
يقول: ” إذا أكرمك الله وأنعم عليك بنعمة الذهاب لصلاة الفجر، فستفاجأ أن أعداد هذه الكلاب، أكثر من أعداد المصلين”.
ويضيف:” هذا دليل فشل، ستجده متكررا مع كل الخدمات الأخرى التي كان يقدمها الوقف من رعاية صحية و اجتماعية و تعليم و إنشاء مرافق”. 
ماضي مشرق
ومن الواقع المتردي للوقف إلى ماضية المشرق، يعود بنا د.غانم سنوات إلى الوراء لرصد الدور الذي لعبه في التنمية.
ويظهر هذا الدور جليا في عدة مجالات يبدأها د.غانم بالتعليم، حيث يشير إلى دور الوقف التعليمي بدءا من المسجد، الذي لم يكن مجرد مكانا للعبادة والصلاة، لكنه كان مصدرا للعلم، ثم تطور وقف المسجد إلى الُكتاب الذي كان بمثابة مدرسة صغيرة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة، وامتدت صورة الوقف التعليمي إلى المدارس، وارتبط بعد ذلك بالمكتبات، التي أيقن واقفوا المدارس أهميتها في تسهيل العملية التعليمية.
وعلى نفس القدر من الأهمية كان للوقف دورا في التنمية الاجتماعية، وتنوعت الخدمات التي قدمتها الأوقاف في هذا المجال، ويشير د.غانم إلى وثائق وقفية تظهر اهتمام القادرين بوقف أملاكهم لبناء المستشفيات وعلاج المرضى وتقديم مساعدات لغير القادرين من تزويج للفتيات الفقيرات وتسهيل أداء فريضة الحج.
ولم يكن مجال التنمية الاقتصادية، بمعزل هو الآخر عن اهتمام الوقف، حيث لعب عدة أدوار ، يحددها د.غانم في ثلاثة أمور هي :
أولا : ساعد على انخفاض واستقرار الأسعار، ذلك لأنه كان من اليسير الحصول على محالّ تجارية مخفضة الأسعار بالأسواق الموقوفة، مما أدى انخفاض الأسعار ورواج التجارة بها أكثر من الأسواق التي ليس بها أوقاف، وأدى ذلك – أيضا – إلى انخفاض الأسعار في الأسواق الأخرى حتى تستطيع أن تروج سلعها وتجاري أسواق الأوقاف.
ثانيا : ساعدت على الحد من البطالة وتوفير فرص عمل كثيرة.
ثالثا : ساعد الوقف على حصول الفئة الفقيرة على أموال لم تكن لتحصل عليها بدونه، مما ساعد على الإكثار من الطلب على السلع والخدمات، وما يتبع ذلك من تنشيط التجارة وتداول الأموال والسلع.
الدولة الشمولية
نظام يؤدي كل هذه الوظائف ويخفف عن كاهل الحكومة مسئولية أدائها، لماذا لم يكتب له الاستمرار على نفس القدر من النجاح ؟ .. سؤال يفرضه هذا العرض الشامل لدور الوقف في التنمية.
يجيب د.غانم : ” العيب ليس في الوقف، لكن في النظام الشمولي الذي انتهجته الحكومة من فترة الخمسينات ” .
فوفقا لهذا النظام، فإن الدولة هي المسئولة فقط عن توفير كل الخدمات، ولا تشاركها أي جهة في أدائها.
وفي دراسة أعدها د.غانم عن الوقف الخيري ودوره في التنمية حدد عام 1952 تاريخا لبداية النظام الشمولي وانهيار الوقف، حيث صدر قانون جديد للوقف رقم 180 وألغي القانون رقم 48 لسنة 1946 الذي كان ينظم عمله.
ووفقا للقانون الجديد تم إلغاء الوقف الأهلي و صودرت أغلب الأوقاف الخيرية وتحولت إدارتها لوزارة الأوقاف، بعد أن كان يقوم عليها شخص يسمى ” ناظر الوقف ” يتم تعيينه من قبل الواقف.
وشمل القانون الجديد – أيضا – إتاحة الحرية لوزارة الأوقاف لتغيير مصارف الوقف، فمثلا إذا كان الواقف قد وقف أمواله لصالح الخدمات الصحية، يحق للوزارة تغيير مجال الوقف إذا رأت أن خدمات الإسكان أهم من الصحة.
وكان من نتيجة ذلك إحجام الأثرياء عن وقف أموالهم، لينهار هذا النظام الخيري الذي كانت مؤسساته حتى منتصف القرن العشرين كثيرة العدد وواسعة الانتشار في مصر.
ويتحسر د.غانم على أياما كان فيها‏ إسهام الأوقاف في المدارس قبل عام من صدور القانون الجديد يساوي ثلث إسهام وزارة المعارف‏، وكانت تقدم الخدمات التعليمية لعدد يصل إلي ربع العدد الذي كانت تخدمه مدارس وزارة المعارف آنذاك‏.‏
وحتى تقنع الحكومة المواطنين بالتحولات التي أجرتها على نظام الوقف بصدور القانون الجديد، يشير د.غانم إلى تعرض الوقف لحملة تشويه متعمدة شاركت فيها السينما والمسرح ووسائل الإعلام، حيث صورت الأفلام الناظر القائم عليها بالشخص الفاسد الذي يسرق الأموال المؤتمن عليها، وكان من نتيجة ذلك أن المجتمع أصبح غير مدركٍ لدور الوقف، وهو ما جعله يصف الفتاة العانس بأنها مثل ” البيت الوقف”.
ومهدت الحكومة بذلك الطريق نحو الإعلان عن هيمنتها وسيطرتها على الأوقاف لحمايتها، عبر وزارة معنية بشئونها.
يقول د.غانم : ” في الوزارة حدث ولا حرج، حيث أدى تحكم البيروقراطية الحكومية في الأوقاف إلى غياب الكفاءة الاقتصادية في إدارتها، ووصلت نسبة عوائد الاستثمار على الأعيان الموقوفة ما نسبته 4.5 %، تذهب نسبة من 15 إلى 20 % منها في صورة أتعاب إدارية (رواتب موظفين)، هذا بخلاف ما يهدر في مسالك الإهمال والفساد “.
ومع تحول الأوقاف إلى الحكومة، جاءت الضربة القاضية، التي يراها د.غانم في فقدان القلة القليلة المدركة لقيمة الوقف الثقة في وجود إدارة رشيدة لأموالها أو ممتلكاتها التي ترغب في وقفها، وكان من نتيجة ذلك أنها أحجمت عن عمل الخير، مما أدى إلى توقف نمو الأعيان الموقوفة.
علاج غير فعال
لكن كيف يمكننا الربط بين قضاء الحكومة على نظام الوقف، وشكوى رئيس الوزراء المصري د.أحمد نظيف من أداء المواطن المصري الذي ينتظر من الحكومة أن تكون مثل “بابا” و”ماما ” بحيث توفر له كل احتياجاته ومتطلباته؟ 
بهذا السؤال عادت البسمة إلى شفاه د.غانم، بعد أن كان قد فقدها مع تحليله لواقع الوقف المتردي ودور الحكومة في الوصول لهذا الوضع.
يقول: “بعد أن بدأت الحكومة منذ 20 عاما خطوات إعادة هيكلة النظام الاقتصادي، بالانتقال التدريجي من النظام الشمولي الذي كانت تنتهجه، نتجت بعض السلبيات، منها عدم القدرة على استيعاب كل الراغبين في العمل والعجز عن أداء بعض الخدمات التي عودت المواطن على أنها المصدر الوحيد لأدائها، فظهرت الحاجة إلى المساعدة، وعلت معها نغمة دور الجمعيات الأهلية ” .
ومع أن الحكومة هي التي طالبت بتدخل الجمعيات الأهلية إلا أنها هي – أيضا – من حاربت انتشارها، لأنها – كما أوضح د.غانم – تمد يدها للخارج من أجل الحصول على المال، وفي المقابل فإن لسانها ممدود بالداخل لتشويه المجتمع من أجل إرضاء من يدفعون الأموال.
ومع التماس د.غانم العذر للحكومة في تعاملها بصرامة مع هذه الجمعيات، حفاظا على أمن المجتمع القومي، إلا أنه لا يلتمس لها العذر في الإصرار على أن يظل الوقف جثة هامدة، في الوقت الذي كان يوفر فيه حلا داخليّا بعيدا عن حلول الجمعيات الأهلية المستوردة من بنوك الغرب.
لا تزال الأماني ممكنة
ورغم تشبيه د.غانم لنظام الوقف في شكله الحالي بالجثة الهامدة أحيانا، وبالملاكم الذي تلقى ضربة قاضية أحيانا أخرى، إلا انه بدا في نهاية الحوار متفائلا عندما أكد أن إعادة إحيائه ممكنة.
وعلى نهج المثل الذي يقول: “وداوني بالتي كانت هي الداء”، يرى أن العلاج يبدأ من استخدام السينما والمسرح ووسائل الإعلام التي شوهت الوقف، لتحسين الصورة والتأكيد على دوره في التنمية.
وفي حال نجاح هذه الخطوة ننتقل إلى المرحلة التالية، وهي تغيير منظومة القوانين التي تحكم الأوقاف، وفي هذا الصدد يقترح نسف كل القوانين القائمة لأنه لم يعد من المفيد إصلاحها، ويطالب بوضع قوانين جديدة.
وحتى تكتمل جرعة العلاج، لابد من إصلاح الضلع الأهم في المنظومة وهو القائمين على الوقف، ويرى أن لابد من إعادة هيكلة وزارة الأوقاف بحيث لا يلتحق بها إلا موظفين أكفاء من الناحية السلوكية والمهنية.
ويضع د.غانم شرطا مهما عند اختيار هؤلاء الموظفين وهو ضرورة تمتعهم بخلفية اقتصادية، تمكنهم من وضع إستراتيجيات تضمن الاستغلال الاستثماري الأمثل لعوائد الوقف.
حماسة د.غانم عند طرحة لخطوات العلاج دفعتني في النهاية لأسأله: هل أنت متفائل من اهتمام القائمين على أمر المريض بالعلاج؟
يبتسم قائلا: ما علينا إلا البلاغ، وعليهم قرار الاستجابة أو تجاهل ما نقوله ” .
ودعته وأنا أتمنى أن يفتح الله له آذانا صما، عسى أن يأتي يومٌ لا يشاهِد فيه الكلاب الضالة أثناء ذهابه لصلاة الفجر، فيعرف أن الأوقاف تولت مسئوليتها.
المصدر: شبكة إسلام أون لاين ـ 1/ 8/ 1431

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى