حكايات عن الوقف والأوقاف
أمينة البنداري وهدي السعدي القاهرة: مؤسسة المرأة والذاكرة، 2006، 95 صفحة
يمثل «الوقف» نموذجًا أوليا لفكرة المجتمع المدني كما باتت تعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة، وفكرة الوقف قديمة قدم المجتمعات العربية والإسلامية، كما أنها لعبت دورًا بارزًا في نمو هذه المجتمعات وتطوير حياة الناس، هذه هي الفكرة الأساسية التي يسعى الكتاب إلي توكيدها عبر استعراضه لمعني الوقف وأهميته ودلالاته وتطوره من مرحلة تاريخية إلي أخري. لكن كيف يمكن التعبير عن كل هذه المضامين التي تبدو جافة لا تشجع أحدًا علي قراءتها والتعاطف معها؟ كيف يمكن تحويل موضوع الوقف من موضوع جامد لا يحظي بمقروئية واسعة إلي موضوع شيق يمكن أن يجذب قطاعًا من القراء أكبر بكثير من عجائز يطالعون صفحات الوفيات ومصائر الثروات؟
هذا هو الجهد الرئيسي المبدع الذي تقدمه المؤلفتان بالاشتراك مع الفنان وليد طاهر صاحب رسوم الكتاب. لا تقدم المؤلفتان دراسة جامدة بالأرقام والإحصاءات عن الموضوع ـ وإن كانتا ضمنتا مادتهما الشيقة أرقامًا وبيانات مهمة ـ وإنما كتابًا تفاعليا كما لو كان للصغار، ليس بهدف تحقيق جاذبية القراءة فحسب، ولا تبسيط الموضوع فقط، وإنما كي تثبتا أن فكرة موت القارئ وانتحار المؤلف وتدمير النص، ليست سوي إشكالات صنعتها الكتابة العتيقة والأساليب المنفرة التي يعمد إليها بعض المؤلفين حتي في الموضوعات ذات المضامين البسيطة، ربما لميول استعراضية خفية، وربما لأن المؤلف نفسه استعصي عليه فهم موضوعه، فصعب عليه أن ينقله إلي قارئه، تقرأ مثلاً في الصفحات الأولي عن معني الوقت عبر مكوناته: واقف وموقوف وموقوف عليه ووقفية، والمؤلفتان تقدمان في سطور بسيطة داخل برواز محاطًا برسوم تعبيرية وكاريكاتيرية دالة معني الواقف علي هذا النحو: هو الشخص الذي يقرر أن يوقف عقارًا ما، ويجب أن يكون الشخص الواقف هذا، بالغًا حرًا، أهلاً للتبرع، غير محجوز عليه، لا توجد عليه ديون.
وعلي طريقة تقديم مذكرة تفسيرية لصياغة قانونية معقدة، تقدمان هذه العبارة البسيطة الظريفة: يعني سيادتك ـ مثلاً ـ لا يمكن أن توقف عقارًا إذا كنت ـ ولا مؤاخذة ـ مجنونًا أو كانت عليك ديون لعم أحمد البقال، فالأولي أن تسدد ديونك أولاً.
وبطريقة أخري وتحت عنوان «ناظر الوقف.. مدير يشرف ولا يبيع»، تشرح المؤلفتان طبيعة هذه الوظيفة التي تعرف بناظر الوقف والشروط التي ينبغي أن تنطبق علي من يتقلدها.
ولابد أن تقفز إلي الذهن فورًا صورة الممثل عباس فارس، ناظر الوقف في الفيلم الشهير «أبو حلموس»، والذي قام ببطولته الفنان الراحل نجيب الريحاني، والذي كان مثالاً للص لا يشبع ونهاب لا يرتوي، خصوصًا حين يأتي ضمن الديالوج الذي يشرح معني ووظيفة ناظر الوقف هذه الإجابة: ولأن النفس البشرية تختلف من شخص لآخر، فبطبيعة الحال لم يكن كل نظار الأوقاف مثاليين شرفاء، فبالطبع دخل في هذا المجال بعض الفاسدين الذين استغلوا مناصبهم ومكانتهم لمصالحهم الشخصية، وانعكس هذا بطبيعة الحال علي أحوال الأوقاف التي كانوا يشرفون عليها.
تتتابع بعد ذلك إجابات الأسئلة عن الجهات الخيرية التي تدعمها الأوقاف (المدرسة ـ المستشفي ـ الكتاب ـ السبيل ـ المؤسسات الصوفية علي اختلافها)، وأسباب وقف الناس لأملاكهم، وغيرها، ويقدم الكتاب دلائل علي أن الوقف الخيري أو الأهلي موجود في كثير من الحضارات والأديان، والأصول الفرعونية لفكرة الوقف، ثم القوانين التي نظمت الأوقاف الإسلامية والقبطية في عهد ثورة يوليو 1952، وإشارات إلي المكتبات العامة التي ما كان لها أن تقوم لولا الأوقاف مثل مكتبة الجامع الأزهر ودار الكتب المصرية، والأوقاف التعليمية التي أسسها أفراد من الأسرة الحاكمة وكبار الملاك الزراعيين لمناهضة الاحتلال بالتعليم، ولعل أشهرها وقف جامعة القاهرة، ووقف مدرسة الفنون الجميلة، ويتواصل السرد بالطريقة الشيقة ذاتها: بالرسم والديالوج والحكاية والكتابة الساخرة، وصولاً إلي وقف هيكل لنقابة الصحفيين والذي بمقتضاه أنشئت مؤسسة هيكل للصحافة العربية.
كتاب شيق وجهد رائع، أحال موضوعًا بالغ التعقيد إلي حكاية بالغة المتعة.
عماد الغزالي
المصدر: موقع وجهات نظر: 24/ 3/ 1433