عام

الوقف الرقمي: عن أي شيء نتحدث؟

بقلم الدكتور: عبد الرزاق بلعبّاس

يتناقل بعض المهتمين بالأوقاف في المواقع الإلكترونية المتخصصة ومواقع التواصل الاجتماعي عبارة “الوقف الرقمي”؛ مما يطرح السؤال التالي: عن أي شيء نتحدث؟

منذ أكثر من عقدين من الزمن قرأت كتاب “مقاربة للدين من قبل مؤرخ” (An Historian’s Approach to Religion) للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) (1) حيث أشار إلى أن معظم المجتمعات الأوروبية تميل إلى التخلي عن دين أجدادها لاتخاذ التكنولوجيا كدين جديد. لم استوعب حينها جوهر هذا الربط بين الدين والتكنولوجيا، على خلاف اليوم حين استمع إلى الخطاب عن العالم الرقمي (digital world)، والتمويل الرقمي (digital finance)، والبنوك الرقمية (digital banks)، وسلاسل الكتل (blockchain)، والبيتكوين (bictcoin)، والعقود الرقمية (smart contracts)، … والوقف الرقمي (digital waqf)؛ فقد تبيّن لي أن المقصود هو أن التكنولوجيا تعمل في الأذهان بمثابة الجنة الموعودة التي تحل فيها كل المشكلات وينعم بفضلها الناس بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

إذا تصفحنا معاجم اللغة الإنجليزية المرجعية كمعجم أكسفورد (Oxford dictionary)، ومعجم كمبريدج (Cambridge dictionary)، ومعجم وبستر (Webster dictionary)، لتبين لنا أن الكلمة الأصلية “digital” تحمل معاني عدة لا يسع المجال هنا للخوض فيها بالتفصيل. أما معجم لاروس (dictionnaire Larousse) الفرنسي فيكتفي بالإشارة إلى أن الكلمة ترادف الوصف “رقمي” (numérique)؛ مما يوحي بأن الترجمة العربية “رقمي” تسربت إلى العالم العربي من خلال المغاربة من الناطقين بالفرنسية، وهي فرضية تحتاج بلا شك إلى اختبار وفحص دقيق.

النقطة المهمة التي ينبغي أن نضعها صوب أعيننا هي أن الوصف “رقمي” (digital) مبهم وغامض في الثقافة الأصلية، فلا يوجد تصور واضح لماهيته وكنهه وحقيقته وصفاته الجوهرية، عدا ارتباطه في المخيلة الجماعية بالأجهزة الإلكترونية – أي الأدوات التي صنعت باستخدام مكونات إلكترونية لأداء مهمة معينة من شأنها أن تحسن الحياة اليومية؛ مما يستدعي التريث قبل إصدار الأحكام وإسقاط قوالب جاهزة من قبيل “تأصيل شرعي للنقود الرقمية” أو “النقود الرقمية: رؤية الشرعية”. وإذا كان ليس من العقل التسرع في الأحكام بناء على ما يظهر لأول وهلة كما نُقِل عن فقهاء السلف في كتب التراجم والأعلام، فإن “لا أدري” أو “ليس لدي المعطيات الكافية” صار فيما يبدو عند أهل زماننا عيبًا.

بالنظر إلى القاعدة الفقهية المشهورة “الحكم عن الشيء فرع عن تصوره”، من المهم بمكان إدراك أن “التصور” لا ينحصر في الجانب الفني بمفهومه الضيق ولا في العوائد المالية المتوقعة، بل يشمل الآثار الاجتماعية والبيئية والصحية والنفسية والأخلاقية والخلقية والثقافية وغير المادية بشكل عام.

والتكوين الجامعي للمتخصصين في التمويل وفقه المعاملات المالية وعلوم الحاسوب يفتقد لخلفية معرفية تتيح المجال لطرح مثل هذه القضايا المتعددة الأبعاد والبالغة الخطورة، كما لا يخفى على الباحثين في فلسفة العلوم، وتاريخ التقنية، وعلم اجتماع المعرفة، وأخلاقيات العالم الرقمي (ethics of the digital world) التي تتخطى موضوع “الأخلاقيات الرقمية” (digital ethics) المتمحور غالبًا حول احترام خصوصية الآخر.

إذا أمعنا النظر في هذا الخطاب عن التمويل الرقمي وشتى مكوناته بتحييد المفاهيم البراقة (رقمي، إلكتروني، ذكي) التي تعيق التعمق في التحليل وتؤطر التفكير، لتبيّن لنا أن الموضوع في جوهره يتلخص في تعبئة الموارد المالية من خلال استخدام التكنولوجيا الجديدة للإعلام والاتصال.

ويندرج الخطاب عن الوقف الرقمي (digital waqf) في هذا السياق بناء على الفكرة الآتية: في العهد الرقمي يمكن للجميع الإسهام في إنشاء أو تنمية الأوقاف من خلال التبرع المالي.

إذا استحضرنا بناء مسجد قباء بإمعان وتدبر، يظهر لنا أن القضية لم ترتكز في الأساس على المورد المادي والمالي على وجه الخصوص، وإنما على الإنسان، وعندما حرّك النبي – صلى الله عليه وسلم – إدراك الإنسان تحرك المجتمع المحليّ برمته وأصبح عنصرًا فاعلاً في صناعة التاريخ البشري؛ فالوقف إلى جانب استثماره في الإنسان بصفته مدنيًا بالطبع ومستخلفًا في الأرض، هو انعكاس لطريقة خاصة في تنظيم حياة المجتمعات لكي تتطور بنفسها وترسم طريقها في الحياة، لذلك لعب دورًا بارزًا في تطوير عمران المدن القائمة وإنشاء مدن جديدة (2).

في نهاية المطاف يتضح – بعد تجاوز ستار الدخان المكوّن من المفاهيم البراقة (رقمي، إلكتروني، ذكي) – أن الخطاب عن الوقف الرقمي يندرج في أمولة (financialization) الحياة البشرية التي تتمثل في أربعة أبعاد رئيسة تمّ الوقوف عليها حتى الآن، هي:

أولا: تغوّل القطاع المالي بالمقارنة بالنشاطات التي ترتبط بأصول حقيقية، بما فيها عمل البر والإحسان.

ثانيا: تزايد سطوة القطاع المالي على مختلف مجالات الحياة البشرية.

ثالثا: تعاظم قوة المورد المالي على حساب موارد أخرى لا تقل أهمية.

رابعا: اختزال إمكانيات تحسين حياة المجتمعات في حدود وإطار التمويل.

ومن مؤشرات هذا المنحى الخطير عدّ الوقف – كما يظهر في الكتابات باللغة الإنجليزية – من مكونات التمويل الاجتماعي الإسلامي (Islamic social finance) أو من مؤسسات التمويل الإسلامي غير المصرفي (Islamic non-banking financial institution). والأدهى والأمر أن هذا التصنيف مر مرور الكرام في الأوساط العلمية المتخصصة من دون اختبار أو تحفظ على الأقل، وهو أضعف الإيمان.

وبهذا – باسم الإسلام وخدمة الفقراء – نحن نساهم بطريقة أو أخرى في تسريع وتيرة سلعنة الحياة برمتها، بما فيها القيم وهي من أغلى ما تملكه المجتمعات البشرية(3). والمفارقة هنا أن هذه السلعنة ستؤدي في نهاية المطاف عاجلاً أم آجلاً إلى تفاقم التوزيع غير العادل للدخول والثروات(4)، مما يتنافى مع الخطاب المعلن عن أحد أبرز مقاصد الأوقاف وهو تحقيق العدالة الاجتماعية؛ فالخطاب عن المقاصد إذا لم يقترن بمآلات الأفعال لإدارة الانسجام بين المعلن والمطبق سوف يبقى مجرّد شعار لا أكثر.

الهوامش:

  • Arnold Toynbee (1957). An historian’s approach to religion, New York: Oxford University Press.

  • عبد الرزاق بلعباس (2019م). معالم منهجية لضبط استخدام مفهوم الوقف في التمويل والاستثمار، ضمن كتاب “التمويل والاستثمار في الأوقاف” مجموعة من المؤلفين، المنسق العلمي: هشام حمزة، جدة: مركز النشر العلمي – جامعة الملك عبد العزيز، ص 1-44.

  • Michael Sandel, (2012). What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets, New York: Farrar, Straus and Giroux.

  • Olivier Godecho (2015). Financialization Is Marketization! A Study on the Respective Impact of Various Dimensions of Financialization on the Increase in Global Inequality, MaxPo Discussion paper No. 15/3, Max Planck Science Po Center, http://www.maxpo.eu/pub/maxpo_dp/maxpodp15-3.pdf

المصدر: موقع وقفنا ـ 09/ 5/ 1441 = 4 / 1/ 2020

وقفنا

موقع على”الشبكة الدولية للمعلومات”، متخصص في باب عظيم من أبواب الخير؛ وهو باب الوقف. شعارنا شعار هذا الموقع “ثواب مستمر ونفع للجميع”. وهو شعار يعبّر عن الغرض من الوقف عند المسلمين. فهو من ناحية الوقف: عمل مشروع يراد به وجه الله تعالى وحده، ويُرجَى ثوابه دون انقطاع يوم القيامة؛ سواء كان الواقف حيّا أو ميّتا. ومن ناحية الانتفاع: شامل للإنسان والحيوان؛ لأجيال وقرون طويلة قادمة. ولذلك لا يجوز بيع الوقف ولا رهنه ولا تعطيله عن الغرض الذي وُقِفَ من أجله؛ بل الواجب دعمه وتطويره واستثماره مدى الليالي والأيام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى