كتب

قراءة في كتاب: أوقاف النساء في مكة المكرمة في العصر العثماني ودور المرأة فيها

قراءة الدكتورة سعاد عبود بن عفيف
أوقاف النساء قي مكة المكرمة في العصر العثماني ودور المرأة فيها، تأليف الدكتورة أميرة بنت علي مداح، مكتبة دار القاهرة، 2010 م، الطبعة الأولى، عدد الصفحات 57.
مؤلفة هذا الكتاب أستاذة في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة أم القرى في مكة المكرمة. حاضرت قي جامعتها، وتولت فيها مناصب إدارية رفيعة. وكتبت أبحاثا ودراسات مرموقة في تخصصها، وهي عضو في العديد من المجالس والجمعيات والهيئات والمؤسسات الخيرية والإغاثية، وهي منسقة شئون المطوفات بمؤسسة مطوفي تركيا وأوروبا واستراليا وروسيا. وموضوع الكتاب وصف وتحليل لوثيقة وقفية (أي صك وقفي) لإحدى أمهات السلاطين العثمانيين ولقبها “كولنوش والدة سلطان” ، واسمها ماء بارا أمة الله رابعة كولنوش، ويعني اسمها الوردة الضاحكة أو الباسمة.

تهدف الدراسة إلى التعريف بوثيقة الوقف؛ ووثائق الأوقاف تاريخيا بمثابة الضوء الذي ينير دراسة ماضينا. وكذلك تهدف إلى إبراز دور المرأة المسلمة الحضاري وحرصها على المشاركة في النهوض بأمتها، ومشاركتها مع الرجل في مؤسسة الوقف الخيري، ومحبة النفع للآخرين وانشغالها بنفس قضايا مجتمعها.
يحتوي الكتاب على مقدمة، وتعريف بالوقف وأنواعه ومشروعيته، وأوقاف النساء في الدولة العثمانية كنماذج لمشاركة المرأة في حمل مسؤولية المجتمع، والتعريف بصاحبة الوقفية كولنوش والدة سلطان، ووصف وتحليل الوثيقة.
ويحتوي تحليل الوثيقة على عدة موضوعات وهي الجهاز الإداري في وقفية “كولنوش والدة سلطان”، عن أوقافها بمكة المكرمة والتعيينات الإدارية بها؛ وهذه الأوقاف هي دار الشفاء والمشتروات الخاصة بها، ومطعم خيري “عمارت” والمشاريع الخاصة به، ومخبز خيري وطاحونة. بالإضافة إلى المرافق الخاصة بتلك الأوقاف؛ وهي مخازن في جدة وبولاق والسويس، والشروط المتعلقة بنقل المحاصيل التي ستجنى من الأراضي الموقوفة على تلك الأوقاف بمصر.
وعرضت المؤلّفة بعض البيانات التي احتوتها الوثيقة في صورة جداول تسهيلا للقارئ؛ فكانت خير عون لفهم هذه التفاصيل. ثم الخاتمة. والمصادر والمراجع. ويبدو أنّ المؤلّفة أعدت ملاحق بالكتاب ولكن للأسف لم تتوافر في النسخة المتاحة من الكتاب.
سلط الكتاب الضوء على الوقف في الإسلام ومشروعيته، ودور الدولة العثمانية في أوقاف الحرمين الشريفين، وإظهار دور المرأة ( نساء القصر ونساء الوزارة والألوية) في هذه الأوقاف خلال العصر العثماني حيث بلغت الوقفيات 2309 وقفية للنساء مع نهاية القرن السابع الهجري = الثالث عشر الميلادي، والتي من بينها أوقاف على الحرمين الشريفين.
يتضح من الكتاب أنه توجد في أرشيف المديرية العامة للأوقاف في استانبول ستة وعشرين ألف وقفية تدل على الأوقاف وأصحابها منذ قيام الدولة العثمانية في نهاية القرن السابع الهجري = الثالث عشر الميلادي 699 = 1299، منها ألفان وثلاثمائة وتسعة وقفيات تخص النساء. وبلغت نسبة وقفيات النساء في القرن العاشر الهجري = السادس عشر الميلادي حوالي 17% من الوقفيات. وعُرف القرن الحادي عشر الهجري = السابع عشر الميلادي في التاريخ العثماني بإسم “سلطنة النساء” حيث قويت وعظمت فيها أدوار النساء وبالتالي كثر الوقف عندهن.
ويتضح من الكتاب أنّه يندر وجود وثيقة وقفية في العصر العثماني إلا ويكون للحرمين الشريفين نصيب منها؛ وذلك لمحبة الحرمين الشريفين لدى العثمانيين.
ولاحظت المؤلفة أن أكثر المعنيين بدراسة الوثائق الوقفية لتاريخ الدولة العثمانية اهتموا بإبراز دور السلاطين ورجال الدولة في الوقف دون النساء ـ إلا لقلة ـ رغم الدور الفعال لأمهات السلاطين خاصة في إثراء المجتمع المكي بالأوقاف. وقد عرّفت المؤلفة بعدد من زوجات السلاطين والأوقاف التي أوقفنها. واختارت نموذجا عن هذا الدور وهو وقفية السيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان” موضوع هذا الكتاب.
والوثيقة الوقفية الخاصة بالسيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان” موضوع التحليل مقيدة في الارشيف العثماني تحت رقم 143-144 وتاريخ 27 رمضان 1090 = 22 أكتوبر 1679، وتحتوي على 38 ورقة، وقد ترجمت الى عدة لغات.
وصفت المؤلفة الوثيقة من حيث نوعية الورق، والكتابة، والألوان، والختم، والغلاف الجلدي للوثيقة وزخارفها، وأسلوب الكتابة المتبع فيها، وأسماء أشخاص الدولة من الدرجة الأولى الذين عاصروا الواقفة. كما احتوت الحجة الوقفية على وصف تفصيلي للأعيان الموقوفة وإثبات ملكيتها، والمبالغ المخصصة للأعمال المعنوية كقراءة القرآن الكريم وختمه، والمصادر المالية للصرف على الأوقاف الخيرية.
وبعد أن أنهت الباحثة تحليل الوثيقة أضافت نتائج وتوصيات الدراسة كالتالي:
نتائج الدراسة:
1. انتشار الوقف في العصر العثماني أكثر من الدول السابقة، وكان له نظام إداري فاعل ومتقدم اتبعوه في إدارة الوقف عامة وفي وقف الحرمين الشريفين خاصة وذلك بإقامة نظارة (وزارة) تسمى نظارة الحرمين الشريفين.
2. قدمت الوقفيات العثمانية لزوجات السلاطين خدمات اجتماعية جليلة لمكة المكرمة وأهلها واهتمت بالخدمات الصحية اهتماما بالغا وظهر ذلك جليا من الدقة في اختيار الأشخاص العاملين، أو العناية بالطعام وتنظيفه وغير ذلك من الأمور التي تتطلبها الصحة العامة.
3. إن كتابة الحجج الوقفية غالبا ما تكون مشدودة إلى مثل أعلى أخروي، ونابعة من فكرة مجردة تنتمي الى عالم الغيب وإرضاء الله سبحانه وتعالى.
4. يلاحظ في مقدمة الوقفيات عادة ما تكون نصوصا إنشائية نندرج قوتها حسب المستوى التعليمي والاجتماعي بجانب كونها نصوصا قانونية لها قوة النفاذ والتطبيق.
5. إن وقفيات النساء لم تكن تختلف عن وقفيات الرجال من حيث الإجراءات الشكلية، والشهود وإعلان الوقفية والتوقيع عليها.
6. احتوت الوقفية على وصف تفصيلي للأعيان والأراضي والوظائف والرواتب واثبات ملكيتها للواقفة ومن خلال ذلك ظهرت ضخامة المبالغ المخصصة لهذا الوقف.
7. ظهور فاعلية دور المرأة في إعمار الأرض واستخلافها.
توصيات الدراسة:
ـ نداءات الى النساء المسلمات المشاركة بفعالية في تقديم وإصلاح مجتمعاتهن ليس فقط من خلال الأدوار الأسرية فقط، وانما أيضا بإسهامات اجتماعية متجددة وقوية.
ـ ينبغي أن تنطلق الإسهامات بمقاصد الشريعة الغراء، وترتبط بالأطر والمؤسسات الإسلامية، والحاجة للدعم والاجتهاد الذي يوفر المناخ الشرعي والاجتماعي الملائم لحركة المرأة الاجتماعية، فلا يحرمها من طاقاتها ولا يمنعها من ممارسة استخلافها في الارض.
ـ أن تقوم دراسات لكشف ونشر الوثائق الوقفية التي تظهر دور المرأة في الحرمين الشريفين.
وصف دار الشفاء بمكة والتعيينات الادارية من خلال تحليل الوثيقة الوقفية
دار الشفاء بمكة المكرمة كانت واحدة من المشاريع الخيرية التي أنشأتها السيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان”، وهي وقف صحي عبارة عن مستشفى، ويستفيد المستشفى من خدمات الأوقاف الأخرى (المطعم الخيري ” عمارت”، والمخبز الخيري والطاحونة). وقد بلغ العاملون فيها 24 شخصا وزعوا على 14 وظيفة. وقد عرضت المؤلّفة البيانات الخاصة بالتعيينات الإدارية في جدول يحوي أربعة أعمدة تشمل 1 ـ مسمى الوظيفة، 2 ـ عدد العاملين، 3 ـ شروط التعيين لكل وظيفة، 4 ـ الراتب لكل وظيفة. وكانت الرواتب على صنفين مخصصات عينية ( أرغفة من الخبز) أو أرادب من القمح (الأردب مكيال ضخم يساوي 24 صاعا)، ومخصصات نقدية بالبارة ( وهي العملة التي كانت مستعملة في ذلك العصر، وهي نقد معدني مضروب في عهد السلطان مراد الرابع، ةكان أكثر من خمسة قراريط).
مسميات الوظائف في دار الشفاء:
كبير الأطباء حكيمباش، ومساعد كبير الاطباء، وجراح، ومساعد جراح، وكاتب اول، وكاتب، وبواب لشد الباب، وعمال للخدمة العامة، وعمال للمغسلة، وعامل لغسل الملبوسات، وعامل لتغسيل الموتى، وعامل للمغسل، وعامل لإشعال وإطفاء القناديل في الأوقات المختلفة.
نماذج مختارة من التعيينات الإدارية في دار الشفاء بمكة المكرمة:
ـ كبير الأطباء حكيمباش، العدد 1، وشرط التعيين أن يقوم بالعمل على الوجه المطلوب، أما الراتب فهو 20 رغيف من الخبز، و 30 بارة يوميا.
ـ الجراح، العدد 1، وشرط تعيينه المهارة في التخصص وخدمة الجرحى، وراتبه 16 رغيف من الخبز، و20 بارة يوميا.
ـ عمال للمغسلة، العدد 8، لا يوجد شرط تعيين، والراتب 4 أرغفة من الخبز و 4 بارات لكل منهم.
ـ عامل لإشعال وإطفاء القناديل، العدد 2، شروط التعيين المهارة وخفة الحركة، والراتب 4 أرغفة من الخبز و 4 بارات لكل منهم.
ومن قرائتي لتحليل الدكتورة أميرة للوثيقة الوقفية الخاصة بالسيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان” يتضح أن:
ـ الوثيقة الوقفية الخاصة بالسيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان” هي حجة وقفية تشمل كل عناصر الحجة الوقفية.
ـ الأعيان والمصادر المالية للصرف على الأوقاف الخيرية: الأعيان الموقوفة في مكة المكرمة وهي الأوقاف الخيرية المتمثلة بدار الشفاء بمكة، والمطعم الخيري ” عمارت”، والمخبز الخيري والطاحونة. والأعيان الموقوفة في البحر لشحن المحاصيل من مصر لمكة المكرمة. والعنابر ( مخازن الغلال) في السويس وجدة وبولاق للحفاظ على أموال الواقفة. ومخازن ومخبزا مجهزا، وطواحين لطحن القمح والحبوب، وأوعية وأدوات للمطعم وفرن بجوار المطعم لعمل الخبز وادوات نحاسية في مكة المكرمة. وعدد (21) قرية موقوفة بصعيد مصر، وقد ذكر في الوثيقة أسماءها ومساحتها الموقوفة بالفدان والقيراط والحبة، وهذه القرى أوقافا للصرف على أوقاف مكة المكرمة أي المصادر المالية للوقف.
ـ مخصصات الوقف: لمخزن وميناء جدة، ومخزن بولاق والسويس، والشروط المتعلقة بنقل المحاصيل التي ستجنى من الأراضي الموقوفة بمصر.
ـ النظام الإداري المتقدم في إدارة الوقف: ويشمل الجهاز الإداري للوقف، والتعيينات الإدارية ومجموع وعدد الوظائف لكل جهة، وعدد العاملين وشروط التعيين، ومسمى الوظيفة والعدد المطلوب، وتوصيف للمهارات المطلوبة للوظيفة.
ـ الرواتب والميزانية: فقد حددت التعيينات الإدارية شروط التعيين والرواتب وفقا لطبيعة العمل، ومحددة كمخصص يومي أو سنوي. وتشمل أيضا المصروفات المخصصة لمشتروات المشاريع الخيرية التابعة للوقف، ومخصصات للأعمال المعنوية مثل قراءة القرآن الكريم وختمه والدعاء للواقفة ومتولي الوقف، ويلاحظ ضخامة المبالغ المخصصة، وتفاصيل دقيقة لكل صغيرة وكبيرة.
ـ خطة إدارة المشروع الخيري وشروطها: تبدأ من اسطمبول وبالزراعة ونقل المحاصيل من مصر لمكة المكرمة، وكيفية وآلية وأيام صرفها وكميتها، والمستحقين لها من المرضى والفقراء، وغير المستحقين لها أيضا. وكذلك كل ما يتعلق بالعاملين والإداريين والاحتياجات لتشغيل وإدارة الوقف.
لقد استمتعت بالإطلاع على مكونات تحليل الوثيقة الوقفية الخاصة بالسيدة “كولنوش الزوجة ووالدة سلطان” من خلال تحليل الدكتورة أميرة مداح لها. استوقفتني عدة أمور لما تعكسه هذه الوثيقة من مواضيع:
أولا ـ أنها منشاة وقفية خيرية ذات بعد إنساني إسلامي في تقديم خدمات اجتماعية وصحية جليلة لمكة وأهلها والتي تؤكد أهمية مكة ومكانتها.
ثانيا ـ لها عدة أبعاد، البعد التاريخي (العصر العثماني)، والبعد الجغرافي حيث شملت أماكن جغرافية مختلفة تخدم تشغيل هذه الوقفية في مكة المكرمة (اسطنبول، قرى بصعيد مصر، السويس، وجدة، وبولاق، ومكة المكرمة) وتشمل نطاقين ريفي وحضري.
ثالثا ـ تتضح مهارة كتابة الوثيقة الوقفية ودقتها؛ فهي بمثابة دليل تشغيلي للوقف، وبمثابة كنز للباحثين في مجالات مختلفة لتحليل كل فيما يخص تخصصه.
رابعا ـ تعطي الوثيقة صورة لمنشأة وقفية خيرية ضخمة، وتشمل عدة أبعاد للتحليل فهناك البعد التاريخي والاجتماعي والإداري والتخطيطي والمهني والمحاسبي والديني والصحي والصحة العامة والطبي والزراعي والغذائي والنقل والشحن البحري وغيرها. فهي نموذج يمكن الاستفادة منه في أوقاف خيرية معاصرة.
خامسا ـ ألقت الوثيقة ضوءا ساطعا على ما قامت وما يمكن أن تقوم به المرأة في إعمار الأرض واستخلافها عن طريق الوقف الخيري.
أخيرا! تساؤل كبير عما آلت إليه هذه الوقفية بضخامتها ؟؟؟
المصدر: موقع وقفنا ـ 26/ 1/ 1438 = 27/ 10/ 2016

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى