تجربة جديدة للخروج بالوقف إلى العالمية
يقلم: محمد م. الأرناؤوط
“وقفنا ـ الجمعة 14 شوال 1426”
كان الوقف منذ بداية تطوره الفقهي والتاريخي في القرن الثاني/الثالث الهجري، أي بعد أن استقر جمهور الفقهاء على جواز الوقف ولزومه وشروطه وأفتوا بجواز أنواع جديدة (وقف الثغور، وقف الدور في مكة على الحجاج، وقف الخانات على السابلة الخ)، يجمع ما بين المحلية والعالمية. وبعبارة أخرى فقد كانت هناك منشآت وقفية/خدمات
مجانية تقتصر على سكان مدينة معينة أو فئة معينة من السكان وهناك منشآت وقفية/خدمات مجانية تنفتح على كل من يقصدها ويحتاج إليها أو توجه من بلدان عديدة باتجاه هدف واحد. ومن النوع الثاني لدينا ما أصبح يعرف بـ”أوقاف الحرمين” التي ظهرت في بلدان كثيرة من العالم الإسلامي (من المغرب وحتى الهند) .
ومع هذا التطور لم يعد دور الوقف في التواصل والتكافل ما بين المسلمين يقتصر على المجتمع المحلي بل أنه أصبح مع الزمن يزداد دوره في التواصل والترابط ما بين المسلمين في العالم أيضاً.
ومع أن الدول الكبرى في عالم الإسلام (الفاطمية والعثمانية في أواخر عهدها) حاولت أن تجمع كل الأوقاف تحت مظلة واحدة ولكن هذه التجربة تفتتت مع نهاية الدولة العثمانية، حيث تولت هذه المهمة وزارات الأوقاف في عشرات الدول الجديدة التي ظهرت أو استقلت في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين. وقد حاولت بعض هذه الوزارات أن توفق ما بين الطابع المحلي والطابع العالمي للوقف، حيث خصّصت بعض مصادرها/مصارفها لأوقاف مخصّصة للطلبة المسلمين الوافدين من الخارج أو لحاجات ثقافية وتنموية للمسلمين في الدول الأخرى.
ومع الاهتمام المتزايد بالوقف على مستوى العالم الإسلامي في العقود الثلاثة الأخيرة أصبحت لدينا مبادرات جديدة ونوعية تؤشر أكثر إلى عالمية الوقف. وهكذا فقد عقدت ندوات كثيرة في العالم الإسلامي (من المغرب وحتى اندونيسيا) وأصدرت توصيات كثيرة وجد بعضها طريقه إلى التنفيذ. وقد كان من اللافت للنظر في هذه الفترة كسر الهوة بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي فيما يتعلق بالوقف. فقد كان القطاع الخاص متهيباً في السابق من التواصل والتعاون مع وزارات الأوقاف، لما يشوبها أحياناً من تداخل مع أنظمة الحكم التي قد لا تكون على وفاق مع القطاع الخاص، ومعنيا أكثر بمبادراته الخاصة التي لا تندرج ضمن الوقف. ولكن في السنوات الأخيرة لدينا مبادرات جديدة ومهمة تدعو إلى التفاؤل بعالم أفضل مع الوقف الذي يركز على دعم الحاجات العلمية والثقافية والصحية للمجتمعات المحلية. ويلاحظ هنا أن هذه المبادرات تجمع ما بين المبادرات الفردية كـ”وقف عبد اللطيف جميل لدعم التعليم والمعرفة” الذي يفترض أن ينطلق في 2005 ويعتبر من أكبر وقف من نوعه في العالم الإسلامي (انظر “الغد” 23/10/2004) وما بين المبادرات المؤسساتية التي تجمع أيضاً جهود الأفراد.
ومن هذا النوع الثاني لدينا “الهيئة العالمية للوقف” التي انطلقت مؤخراً وأكملت بناءها القانوني والمؤسسي على أمل أن تظهر ثمارها ابتداءً من هذا العام.
وقد جاءت البادرة لتأسيس هذه الهيئة الأولى من نوعها على مستوى العالم الإسلامي من قبل “البنك الإسلامي للتنمية” في جدة. ومن المعروف أن هذا البنك كان له اهتمام بالوقف منذ تأسيسه حيث عقد أكثر من ندوة وأسّس “وقف البنك الإسلامي للتنمية” الذي توجه عوائده إلى تمويل المعونة الخاصة في مجالات الصحة والتعليم للمجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء. وقد أنشأ البنك الإسلامي أيضاً” صندوق تثمير ممتلكات الأوقاف” استجابة لتوصية المؤتمر السادس لوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية الذي انعقد في جاكرتا خلال 1997، وذلك بهدف توفير الموارد المالية اللازمة لتطوير عقارات الأوقاف التي تحتاج إلى تطوير.
وضمن هذا السياق جاءت الفكرة لتأسيس هيئة عالمية للوقف لتمثل شراكة فاعلة بين القطاع الخاص (أفراد ومؤسسات وجمعيات) وبين القطاع الحكومي. وقد ظهرت الفكرة في أواخر عام 2000 وتم اعتماد اللائحة المنظمة لعملها. وقد خصص البنك الإسلامي مبلغ 25 مليون دولار كمساهمة منه في رأسمال هذه الهيئة كمرحلة أولى، مع تخصيص ريع هذا الوقف للتعليم في الهند، ثم تتالت استجابات الشخصيات والمؤسسات من دول الخليج (السعودية والكويت والبحرين وإيران) حتى وصل الإسهامات الموعودة إلى 42 مليون دولار على أمل أن تصل إلى المركز خلال 1425? أو مطلع 2005 حتى تبدأ هذه الهيئة عملها بالفعل. ويلاحظ هنا أن المساهمات جاءت من أفراد باسمهم (الدكتور علي الزيع وعبد العزيز البابطين من الكويت) أو من أفراد أسسوا وقفاً باسمهم (وقف علي النبوي من السعودية) أو من مؤسسات وقفية (مجلس الأوقاف السنية في البحرين ومنظمة الأوقاف والشؤون الخيرية في إيران الخ).
وبالمقارنة مع غيرها يلاحظ من لائحة “الهيئة العالمية للوقف” أنها تتوجه في مشاريعها المستقبلية لمن يحتاج إليها سواء في الدول الأعضاء في البنك أو المجتمعات المسلمة في الدول غير الأعضاء، مما يشمل العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. وقد حددت الهيئة أوليات أهدافها على الشكل التالي:
1-تكوين شبكة من المؤسسات الوقفية للقيام بالأغراض الخيرية.
2-رعاية المؤسسات الوقفية ودعمها والتنسيق بينها ومدها بالخبرات.
3-مساعدة الطلاب وتقديم المنح الدراسية في التخصصات التي تلي حاجة الأمة.
4-إنشاء ودعم المؤسسات والبرامج التعليمية والصحية والاجتماعية.
5-الإسهام في مكافحة الفقر لرفع المعاناة عن الشعوب.
6-توفير وسائل الإغاثة في شكل سلع وخدمات.
ولتحقيق مثل هذه الاهداف الطموحة التى توسع من دائرة اهتمام وانشغال الوقف في العالم الاسلامي كان من المفترض ان تعمد الهيئة الى اطلاق مجموعة من الاوقاف النوعية التى اشتملت الحزمة الاولى منها على ” وقف التعليم” و ” وقف الرعاية الصحية ” و ” وقف محاربة الفقر” و ” وقف المرأة” وغيرها التي تدل مسمياتها على الخدمات التي ستقدمها في المستقبل .
وبالاستناد الى ذلك تبدو صورة المستقبل ملونة بالامل بالنسبة الى اعادة الاعتبار لعالمية الوقف . ولكن هذه الصورة الواعدة للمستقبل لاتزال على الورق , وهي جذابة على الورق الصقيل للتقرير السنوى الاول الذى يغطى عام 2004 , ونأمل ان يكون التقرير السنوى الثاني لعام 2005 يحتوى على انجازات ملموسة تشجع على المشاركة/ المساهمة في هذه التجربة الرائدة.
[المصدر: جريدة الغد الأردنية]