بسبب توجه غالبية الواقفين إلى بناء المساجد الوقف الصحي يعاني من قلة الاهتمام وندرة المتبرعين
يعد الوقف الصحي رافدا مهما من روافد تمويل الخدمات الصحية وكان له في الآونة الأخيرة دور كبير في إقامة المستشفيات والمرافق الصحية وتوفير الأجهزة الطبية
وعلاج المرضى من المعوزين والفقراء، ولإلقاء المزيد من الضوء على الوقف الصحي كان ل «جريدة الرياض» هذا اللقاء مع أحد المختصين بمجال الأوقاف وهو الشيخ خالد بن هدوب المهيدب الذي ألف كتابين في مجال الأوقاف هما «أثر الوقف على الدعوة إلى الله» و«أثر الوقف في تحسين مستوى الخدمات الصحية»، حيث ذكر الشيخ المهيدب في البداية أن توجه غالب الواهبين أو الواقفين نحو حصر أوقافهم على بناء المساجد دون غيرها من سبل ومجالات الخير متعدية النفع مرده الثقافة السائدة في المجتمع والتي قزمت دور الوقف وأثره ورسخت مفهوم محدودية مصارفه ومجالاته وقصرها على تأدية حجة أو ذبح ضحية عن الوقف كل عام أو بناء مسجد مع أن ريع ما يوقف – في الغالب – يفوق كلفة ما حدده من مصارف بعشرات بل بمئات المرات – وهو وما قد وقف الشيخ على نماذج عديدة له – مما يفوت النفع على الواقف ويحرم الأمة من الانتفاع منه، مع أن مفهوم الوقف الإسلامي أوسع وأشمل ويغطي كافة مناحي الحياة الإنسانية بل يمتد نفعه للحيوان؛ إذ وجد في التراث الإسلامي أوقاف خصصت لرعاية واحتضان الحيوانات المنقطعة والإنفاق عليها. وكان للوقف القدح المعلى في أوج عز الحضارة الإسلامية فالمكتبات والجوامع ودور العلم والأربطة والبيمارستانات الطبية والتعليمية الوقفية ساهمت بشكل فعال في ازدهار الحضارة الإسلامية ونيلها قصب السبق في تلكم الأزمان، وذكر المهيدب أن توجه غالب الناس في عصرنا الحاضر للوقف على المساجد فحسب نابع من الحرص عل نيل الثواب المترتب على بنائها فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم : «من بنى مسجدا بنى الله له في الجنة مثله. إلا أن هناك إغفالاً لمجالات ومصارف لا يقل فضلها وأجرها عن بناء وتشييد المساجد فقد قال سبحانه وتعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} فالنفس المعرضة للهلاك منقذها ينال من الأجر والثواب أجر من تسبب في حياة الناس أجمع، فالمجالات الطبية بشكل عام تؤدي – بعد توفيق الله – هذا الدور بشكل كبير، ومع ذلك فإننا نرى قلة الاهتمام بالوقف على هذا المصرف الحيوي الهام والذي من خلاله يساهم الواقف في استنقاذ أرواح معرضة للهلاك أو تخفيف الألم عن مكروب احتوشه المرض، فالمستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة والأجهزة والأدوية من خلالها ينعم المريض بحياة هانئة يكون للمتسبب في توفيرها بعد توفيق الله عز وجل أجر استنقاذ حياته وتخفيف ألمه ومصابه.
وحول سؤال عن سبل توضيح أهمية الوقف الصحي ودوره في خدمة المعوزين أجاب المهيدب بأن التطرق لهذا المحور يحتاج لمزيد من الشفافية في تشخيص واقعنا الصحي فمع الجهد المبذول من قبل الدول إلا أن هناك قصوراً جلياً في مجال الخدمات الطبية، فمواعيد الأطباء في المستشفيات الحكومية فضلا عن مواعيد إجراء العمليات قد تطول إلى سنة أو سنتين أو تزيد، مع أن حياة المريض قد تفوت نتيجة لطول المواعيد وعدم تأمين الأسرة، إضافة إلى المعاناة والمشقة والعنت الذي يلحق بالمصابين ببعض الأمراض المزمنة كمرضى القلب والفشل الكلوي والتهاب الكبد الوبائي والمصابين بداء السرطان نتيجة عدم الحصول على العلاج اللازم أو لمحدودية أجهزة العلاج، مما يستدعي أن يوجه الواقفين ويحفزوا نحو استنقاذ أرواح أولئك المرضى وخصوصا المحتاجين والضعفاء منهم وذلك من خلال تخصيص أوقاف يصرف ريعها على ما يكون سببا في علاجهم وتخفيف ألم المرض عنهم، وذلك عن طريق بناء المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة وتأمين الأجهزة الطبية والأدوية ودعم البرامج والبحوث الطبية. وعدد المهيدب أمثلة لما يزخر به مجتمعنا بحمد الله من نماذج مشرفة من رجال الأعمال والموسرين من أمثال ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز الذي تعد مؤسسته الخيرية من أضخم المؤسسات الوقفية بالمملكة والتي تسهم بشكل فعال في توفير العناية الطبية والتأهيل الشامل للمعوقين والمسنين من الجنسين. ومعالي الدكتور ناصر الرشيد الذي شيد على نفقته الخاصة مستشفى الملك فهد الوطني لأورام الأطفال على غرار مستشفى ومركز البحوث في سان جود بالولايات المتحدة الأمريكية شكرا لله عز وجل بعد أن من الله تعالى عليه بشفاء ابنه فهد من داء السرطان وهو في سن الثالثة من عمره، ويعد هذا المستشفى من أضخم المراكز الطبية المتخصصة في علاج أورام الأطفال، وتبلغ نسبة من ينتهي علاجهم بالمركز بنجاح من 70 إلى 80 ٪ . وكذلك الأستاذ عبدالوهاب بن سعود البابطين الذي شيد مركزا متخصصا لطب وجراحة القلب بالمنطقة الشرقية والذي يعد من المراكز الطبية المتقدمة التي تقدم خدمات جليلة لمرضى القلب. وهذه نبذة موجزة عن بعض الجهود المباركة لبعض الموسرين الذين وفقهم الله تعالى لتخصيص جزء من ثرواتهم كأوقاف صحية تخدم شرائح محتاجة للعناية الطبية في مجتمعنا. وذكر أن المتتبع للتراث الإسلامي يجد أن جل المشاريع الطبية والمشافي (المسماة باليمارستنانات) أوقاف شيدها صفوة من الخلفاء والمقتدرين لسد النقص الحاصل وتلبية احتياجات المجتمع طمعا في عظيم الأجر والثواب الذي يناله الواقف على مثل تلكم المصارف متعدية النفع، كما يلمس اهتمامهم برعاية المعاقين فكريا وأصحاب العاهات فقد اشتمل صك الأوقاف الموقوفة على المستشفى النوري بدمشق على أن كل مجنون يخص بخادمين ينزعان عنه ثيابه كل صباح ويحممانه بالماء البارد ثم يلبسانه ثيابا نظيفة ويرغب في أداء الصلاة ويسمعانه قراءة القرآن من رجل حسن الصوت ثم يفسحانه في الهواء الطلق.
وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه القطاعات الحكومية والخاصة ووسائل الإعلام في دعم الوقف الصحي ذكر المهيدب أن هناك قصورا في جانب التوعية بأهمية الوقف على مثل تلكم المصارف الحيوية متعدية النفع والتي يحتاجها كافة شرائح المجتمع لتسد النقص الحاصل في الخدمات الصحية، فالجهات الحكومية على وجه الخصوص يقع على عاتقها عبء ثقيل كونها لا تستطيع الوفاء بالدور المناط بها، فما زلنا نتطلع لصدور موافقة مجلس الوزراء الموقر على اتفاقية إنشاء صندوق الوقف الصحي التي وقعت بين معالي وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ومعالي وزير الصحة د. حمد المانع بتاريخ 19/7/1425ه. والذي يهدف للتحفيز على المساهمة في أعمال البر والإحسان للاستفادة منه في مجال الرعاية الطبية وتوفير الأجهزة. وإضافة لهذا المشروع الرائد لا بد أن تبادر وزارة الصحة والجامعات الملحق بها كليات الطب والقطاعات الحكومية التي تقدم خدمات طبية إلى تبني تأسيس صناديق وقفية صحية متعددة المصارف تسند تلكم القطاعات في تأدية رسالتها في المجتمع ويسبق ذلك حملة دعائية مكثفة عبر كافة الوسائل الإعلامية المتاحة تبرز أهمية هذه المصارف والأجر العظيم المترتب على المساهمة فيها، وهناك تجارب وقفية رائدة في هذا المجال أثبتت نجاحها في دول مجاورة ناهيك عن الشوط الكبير الذي قطعته الدول الغربية إذ نرى التركيز على تشييد المستشفيات والمراكز الطبية الوقفية والجامعات. أما ما يتعلق بالمستشفيات الخاصة والمستوصفات والمراكز والعيادات الطبية الأهلية فيمكن لأصحابها المساهمة يما يمكن أن يطلق عليه مصطلح (وقف الوقت) وذلك عن طريق تخصيص أوقات محددة في بعض العيادات لمعالجة المرضى المحتاجين الذين لا يستطيعون دفع تكاليف العمليات والعلاج إضافة إلى تمكين الأطباء الراغبين في خدمة الفقراء من الاستفادة من ما يهيئونه من عيادات ومرافق تمكنهم من المساهمة في تقديم خدماتهم وبالامكان أن تقدم هذه الخدمات الجليلة للمحتاجين بالتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات الخيرية.
وأشار المهيدب إلى الخطوات المباركة لبعض الجمعيات والمؤسسات الخيرية الطبية فمع محدودية عددها إلا أنها تقدم خدمات جليلة في المجتمع ومنها على سبيل المثال جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي وجمعية زمزم للخدمات الصحية التطوعية بمحافظة جدة وجمعية الرحمة الطبية الخيرية بالمنطقة الشرقية والجمعية السعودية الخيرية لرعاية مرضى السرطان واللجنة الخيرية لأصدقاء المرضى والمؤسسة الخيرية للرعاية الصحية المنزلية وغيرها من الجمعيات والمؤسسات التي تسهم في تقديم خدمات جليلة للمحتاجين والتي تحتاج لدعم ومساندة من رجال الأعمال والموسرين لتستمر في تأدية رسالتها، ويتحقق ذلك عن طريق تخصيص أوقاف يصرف ريعها على مناشط المؤسسات والجمعيات الخيرية، وألمح المهيدب إلى الحاجة إلى أن يتبنى الأطباء والعاملين في القطاعات الطبية التوسع في تأسيس مثل تلكم الجمعيات والمؤسسات الطبية الخيرية لتشمل خدماتها كافة الفقراء والمحتاجين في المدن والمحافظات والمراكز.
وحول الوسائل الممكنة لتشجيع المقتدرين ماديا على دعم الوقف الصحي ذكر بأن أهم الوسائل لتشجيع المقتدرين هو أن تمنح الدولة أراضي ومواقع متميزة للراغبين في إقامة مشاريع وقفية طبية مع تذليل كافة العقبات والعوائق، إضافة لتبني الوجهاء ورجال الأعمال والشركات والبنوك لمبادرات تصب في دعم هذا المجال والإنفاق عليه كما هو الحال في مشروع الوقف العلمي لدعم أبحاث جامعة الملك عبدالعزيز والذي تبنى طرحه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة ويبلغ رأس ماله 125 مليون ريال، ويضاف إلى ما ذكر سابقا تكثيف وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد عقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية التي تبرز أهمية الوقف على المجالات الصحية مع توجيه الأئمة والخطباء بالتركيز على هذا الجانب في الخطب والكلمات التوجيهية وأن تتولى الوزارة دعم وتطوير وتجهيز المستشفيات والمراكز الطبية من ريع موارد الأوقاف المنقطعة التي لا تعرف مصارفها.
[المصدر: جريدة الرياض]