مؤسسات

دار الكتب المصرية.. ذاكرة أمة

بقلم الدكتور: خالد محمد غازي*
مائة وأربعون عامًا مرت على القرار الخديوي إسماعيل الذي أحدث نقلة فريدة في عالم جمع المخطوطات النادرة والنفيسة، لا يزال العالم أجمع يشهد بآثارها الإيجابية؛ إذ نص القرار – الذي صدر في العام 1870 – على ضرورة إنشاء “الكتبخانة الخديوية المصرية”، والتي كان مقرها الطابق الأرضي بسراي الأمير مصطفى فاضل، بدرب الجماميز بالقاهرة، وأشرف عليها ناظر المعارف ( وزير التعليم والثقافة ) – آنذاك – علي مبارك باشا، والتي تعرف الآن بـ”دار الكتب والوثائق القومية”. وتعد مجموعة مخطوطاتها إحدى أهم المجموعات المخطوطات في العالم؛ بل إنها تأتي في المرتبة الثانية بعد مجموعة مخطوطات مكتبات “إستانبول” و”الأناضول” في تركيا. وتعتبر الدار الأولى من نوعها في المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا، وتكاد تقترب من عمر الدور المماثلة لها في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا.
واشتهرت الدار منذ مطلع نشأتها بأنها “ديوان الأوقاف”،لأن الكتب التي تحويها كانت موقوفة قبل خزنها ؛ إذ أوقف الخديوي إسماعيل عشرة آلاف فدان للإنفاق من ريعها على الدار وقد احتوت حينها عددًا ضخمًا من المخطوطات التي تم جمعها من المدارس والزوايا والمساجد، وما تم وقفه من مخطوطات عليها؛ كمجموعات مصطفى فاضل باشا، والإمام محمد عبده، وعلي باشا مبارك، ومحمود بن التلاميد التركي[؟] الشنقيطي، إلى جانب العديد من النسخ المصورة على الفوتوستات من مجموعات عالمية من باريس، ولندن، وإستانبول، وفيينا، وكذا تلك التي نسخت خلال النصف الأول من القرن العشرين عن نسخ عتيقة موجودة؛ إما في الرصيد العام أو في المكتبات الملحقة.
ونظرًا لازدياد نمو المكتبة وضيق المكان بمقتنياته، وضع حجر أساس مبنى جديد لها – والمتمثل في المتحف الإسلامي الآن – في ميدان باب الخلق بالقاهرة الكبرى، خُصص لها طابقه الأرضي، بينما الطابق الأول وما فوقه كان للكتبخانة الخديوية، وانتقلت إليه الدار في العام 1903 ، ليفتتح المبنى للمترددين في أوائل العام 1904  لتستتبع ذاك التأريخ – ونظرًا لتنامي رصيد الدار – مرحلة تجديد أخرى للدار؛ تجسدت في العام 1961 بنقلها إلى المبنى الجديد على كورنيش النيل في منطقة رملة بولاق بالقاهرة أيضًا، والذي تم افتتاحه رسمياً العام 1977. وفي العام 1791 [؟] ألحقت دار الكتب بالهيئة العامة للكتاب .
ونقلت من مبناها التاريخي في باب الخلق إلى المبنى القائم الآن على كورنيش النيل، ففقدت دار الكتب شخصيتها وأصبحت مجرد إدارة مركزية تتبع هيئة الكتاب ، وفقدت قدرتها على الوفاء بدورها ، لذا ظهرت الحاجة إلى تطويرها وإعادة فصلها عن الهيئة العامة للكتاب ، وبالفعل صدر قرار وزير الثقافة في العام 1992 بفصل دار الكتب عن هيئة الكتاب، وفي العام 1993 صدر قرار جمهوري بإنشاء الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية الذي أعاد إلى هذه المؤسسة الثقافية المهمة شخصيتها الاعتبارية المستقلة وبدأت تمارس بالمشاركة كهيئة مستقلة في المؤتمرات العالمية والدولية مثل مؤتمر ” الإفلا”( IFLA) وهو مؤتمر جمعيات المكتبات في العالم. كما شاركت الدار في مؤتمر قادة المكتبات الذي انعقد في نيويورك عام 1996. لكن خطوات التطوير تسير بخطى بطيئة ويرجع ذلك لكثرة التغييرات الحادثة في قياداتها. وفي إطار مشروع التطوير الحالي التي تجري لدار الكتب والوثائق ، تم تحديث قاعات الاطلاع والمخطوطات والوثائق عن طريق استخدام الوسائل التقنية الحديثة في بناء قواعد بيانات آلية يتعرف من خلالها مترددون من محتويات دار الكتب : أول مصحف للقرآن الكريم في العالم مكتوب بالخط الكوفي وبالتنقيط قبل ظهور التشكيل والمطرز بالذهب ويرجع تاريخه إلى القرن الثاني الهجري وجميع صفحاته التي يبلغ طول كل منها مترا هي من جلد الغزال وكل صفحة من غزال معين مختلف عن غيره وهو ما أثبته خبراء التحليل بكلية العلوم النسخة الأولى والوحيدة لأول كتاب عربي تم طبعه في إيطاليا بعنوان صلاة السواعي ( يعتقد أنه صلوات الأجبية والتي يستعملها الأقباط ) كذلك تضم مكتبة قصر عابدين التي تم ترتيب وتصنيف مقتنياتها والتي تضم 1554 مجلدا إلى جانب مكتبة أحد الباحثين الأتراك المهتمين بالدراسات الشرقية والمخطوطات العربية وتقع في 1134 مجلدا وتضم أيضا قرار الخديوي إسماعيل والموقع عليه بخط يده بنزع ملكية قطعة ارض في ميدان باب الخلق وبناء الكتبخانة عليها عام 1870 وكذلك مجموعة الاسطوانات الشمعية والنحاسية التي يعتبرها المؤرخون الموسيقيون المصريون النواة الأولى للتسجيلات الموسيقية على مستوى الوطن العربي كله ومن واقع السجلات التي تحتفي بها الدار، فإن عدد المخطوطات التي تضمها الدار بين جنباتها يربو على الستين ألف مخطوط، من أنفس المجموعات على مستوى العالم قاطبة.
والتي تمتاز بتنوع موضوعاتها وخطوطها المنسوبة، ومخطوطاتها المؤرخة، ومن أقدم المخطوطات، نسخة كتاب “الرسالة” للإمام محمد بن إدريس الشافعي، والتي تعد أقدم مخطوط ورقي في غاية النفاسة، وقد احتفل بها كبار العلماء والأئمة والحفاظ من سنة 394 هجرية إلى سنة 656 هجرية، وعدد أوراق هذه النسخة ثمانٍ وسبعون ورقة؛ منها اثنتان وستون هي أصل الكتاب، والباقي زيدت في أولها وآخرها ووسطها كتب به السماعات وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى دراستين تزخر بهما دار الكتب، اهتمتا بحصر المخطوطات العربية التي كتبت في القرون الخمسة الأولى للهجرة:
الأولى هي: كتاب “كوركيس عواد”، والذي يعد من أقدم المخطوطات العربية في مكتبات العالم المكتوبة منذ صدر الإسلام حتى العام 500 هجرية، وقد أُحصي فيها خمسمائة وتسعة وعشرون كتاباً مخطوطاً بينها مخطوطات ذكرت في موضوعين بعناوين مختلفة.
أما الثانية فهي عبارة عن مقال مطول للباحث الفرنسي “فرانسوا دي روش” عنوانه: “المخطوطات العربية المؤرخة في القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي”، وأُحصي فيه أربعون مخطوطاً تعود إلى القرن الثالث الهجري أغلبها محفوظ في مكتبات جامعة ليدن، والجامع الكبير بالقيروان، والقرويين بفاس المغربية، وشستربتي بدبلن، ودار الكتب المصرية بالقاهرة، والظاهرية بدمشق، والمكتبة الوطنية بباريس، ومتحف الفن الإسلامي بإستانبول.
وتحوي الدار كذلك مجموعة نفيسة من أوراق البردي العربية، تبلغ في مجملها ثلاثة آلاف بردية تتعلق بعقود زواج، وكشوف بيع وإيجار واستبدال، وسجلات وحسابات خاصة بالضرائب أو دفع صداق أو تقسيم مواريث وغيرها. أما عن أقدم تلك البرديات فيعود تاريخها إلى العام 705 ميلادية، والتي لم ينشر منها إلا أربعمائة وأربع وأربعون بردية.
فضلًا عن المجموعة الطيبة؛ التي تتمثل في حجج الوقف وسجلات المحاكم، ووثائق الوزارات المختلفة، وما يعني به الباحثون في شتى المباحث التاريخية والأثارية. كما تضم مجموعة نادرة من لوحات الخط العربي؛ والتي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة لوحة متفاوتة الأحجام. إضافة إلى المصاحف المكتوبة بخطوط مشاهير الخطاطين المجودين، والمنقوشة بالذهب والألوان، ومجموعة من الصحف، والدوريات والمجلات العربية والأجنبية، الصادرة في مصر والبلاد العربية والإسلامية وأوروبا والتي قلما توجد بمكان، والتي تبلغ في مجملها ثمانية آلاف ومائتين واثنتي عشرة دورية.
وهدفت الدار منذ إنشائها إلى التعريف بمقتنياتها؛ الأمر الذي حدا بالقائمين عليها إصدار الفهارس المنوعة للتعريف برصيدها من المطبوعات والمخطوطات العربية والشرقية والدوريات التي تقتنيها.
وفي هذا الفلك، نهضت دار الكتب منذ العام 1911 ميلادية بالإشراف على مشروع إحياء الآداب العربية. فأخرجت عددًا من الكتب القديمة في صورة مشرقة، محققة الأصول على منهج علمي دقيق، ومن تلك الكتابات: “التاج” للجاحظ، و”الأصنام” لابن الكلبي، والجزء الأول من “مسالك الأبصار” لابن فضل الله العمري، وكانت تلك الكتب تطبع في المطبعة الأميرية، ثم تحول اسم اللجنة إلى “القسم الأدبي”، لتنتقل معه مطبعتها إلى دار الكتب للقيام بنشر مطبوعاتها، وقد جمع لهذه المطبعة كل أسباب الجودة والإتقان، ليصبح الكتاب المطبوع بها عنوانًا على حسن الإخراج والطباعة• لتتوالى منذ ذاك التاريخ إصدارات كتب التراث، مستندة إلى الالتزام بالنواحي العلمية، ولعل من أبرز الكتب التي أصدرتها الدار: “نهاية الأدب” للنويري، و”صبح الأعشى” للقلقشندي، و”النجوم الزاهرة” لابن تغري بردي، وتفسير القرطبي، و”الأغاني” لأبي فرج الأصبهاني. كما أخرجت طبعة رائعة للمصحف الشريف العام 1952 ميلادية أطلق عليه “مصحف دار الكتب”.
ولا تزال الدار تواصل رسالتها في هذا المجال، بل وتوالي إصداراتها لأمهات كتب التراث، إضافة إلى نشاطاتها الأخرى، باعتبارها واجهة حضارية للأمة، ومجمعًا لتراثها القديم والحديث، وملجأ للباحثين والراغبين في القراءة والمعرفة.
وفي اعتقادنا أنه من الضروري أن تطور الدار خدماتها التي تقدمها للباحثين والمترددين بعد تطويرها مثل: توفير نسخة مصورة من المقتنيات ورقية (سي دي) وإتاحة الاطلاع على المقتنيات التراثية المختلفة عن طريق استخدام أجهزة العرض الميكروفيلمي، وكذلك إتاحة الاطلاع على الكتب التراثية، وكتب اللغات الشرقية التركية، والفارسية، والعبرية، ودوائر المعارف، والموسوعات، وكتب التراجم من خلال نظام الأرفف المفتوحة بقاعات الاطلاع وإتاحة خدمات الإنترنت وإقامة المؤتمرات، والندوات العلمية، والثقافية المرتبطة بالتراث.. هذا ان أردنا التحديث الحقيقي وملاحقة التطورات المعلومانية والالكترونية في العالم.
* رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة.
المصدر: صحيفة الشبيبة ـ 9/ 1/ 1432

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى