استعراض كتاب “الوقف في ماليزيا: منظور قانوني وإداري”
تعريب الدكتورة سعاد عبود بن عفيف
هذه المقالة تعريب لاستعراض نقديّ أعدّه باللغة الإنجليزية: الدكتور سيد خالد راشد Syed Khalid Rashid؛ الأستاذ بقسم القانون الخاص، في” كلية أحمد إبراهيم للقوانين” ـ الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا. ونشرت الاستعراض مجلةُ القانون بالجامعة الإسلامية العالمية (IIUM LAWJOURNAL) في ماليزيا، في العدد الثاني من المجلد السادس عشر الذي صدر عام (2008)، الصفحات (299-305).
كتاب “الوقف في ماليزيا: منظور قانوني وإداري” في أصله أطروحة قدّمتها باحثة ماليزيّة في عام (2000) لنيل الدكتوراة من جامعة برمنغهام. وقد سبق في “موقع وقفنا” التعريف بهذه الباحثة التي وجهت اهتمامها للأوقاف؛ وهي: الدكتورة ستي ماشيتوه (سِتّي ماشِطة) بنت محمود.
بدأ الدكتور سيد خالد راشد استعراضه للكتاب بمقدّمة قال فيها:
على الرغم من محدودية صفحات الكتاب (191) صفحة إلا أنه يعطينا تغطية شاملة جدا وغنية المحتوى، ويملأ فجوة كبيرة في مجال البحوث التي تعني بالجوانب القانونية والإشرافية لإدارة الوقف في ماليزيا. وقد سبقه كتاب من تأليف محمد زين بن حاجي عثمان، بعنوان “الشريعة الإسلامية مع إشارة خاصة إلى مؤسسة الوقف” وهو من منشورات مكتب رئيس الوزراء، الشؤون الدينية، كوالالمبور عام (1982)، وعدد صفحاته (254) صفحة. إلا أنّ طبيعة ذلك الكتاب نظرية بحتة، اكتفى فيها المؤلف بعرض الوقف عند المذاهب السنية الأربعة في الفقه الإسلامي. ولم يقدم أي إشارة عن واقع الأوقاف القانونية والادارية في ماليزيا.
أمّا هذا الكتاب الذي نستعرضه فإنّه يحمل مقدمة جميلة جدا ومثيرة للتفكير كتبها داتو عبد الحميد بن حاجي محمد، القاضي بالمحكمة الاتحادية في ماليزيا، يشيد فيها بجهد المؤلفة وبحثها المضني وجديتها. ويضيف القاضي قائلا: ” من واقع خبرتي في السمع والبت في عدد من القضايا الوقفية في بيننغ Penang، فقد كانت فكرتي أن المشكلة الرئيسية ليست القانون (” القانون العلماني “، كما يقال عنه في كثير من الأحيان ) أو المحكمة ( ” المحكمة المدنية ” كما تسمى الآن ) ولكنه عددُ ونوعُ الذين يعهد إليهم بإدارة الأملاك الوقفية، أو عدم وجودهم. ويؤكد هذا البيان وجود بعض الحقائق من خلال نقاشات دارت في Tan Kim Luan Lwu Sabariah بين محمد نور وG. Rethinasam ضد مجلس علماء المسلمين.
ويشبه ما ذكر اعلاه نتائج ندوة عقدت عام ( 1984) في جدة تحت رعاية البنك الإسلامي للتنمية، إذ لوحظ أنه في ماليزيا ـ على الرغم من تمكين الولايات الثلاثة عشر لتطوير جميع الأراضي والأصول الوقفية وفقا لخططهم ـ إلا أنه لم تحاول أي ولاية تعديل أو تقنين قوانين أكثر إكتمالا وشمولا بشأن إدارة الأوقاف. فالأراضي الوقفية تحقق قليلا من الدخل، وقد أُجِّرَت معظم أراضي الوقف والمنازل والمحلات التجارية بإيجارات إسمية لمدة (99) عاما. ولم تفعل حكومة الدولة حتى الآن شيئا للتخلص من هذا الوضع، كذلك لم يتغير الوضع كثيرا عما جاء في ورقة عمل عثمان الحِبْشي المقدمة في الندوة 3 الدولية التي عُقدت في كوالالمبور في عام (1998).
وبعد هذه المقدّمة بدأ الدكتور سيد خالد راشد استعراض الكتاب قائلا:
يتكون كتاب الوقف في ماليزيا من خمسة فصول، وخلاصةٍ موجزةٍ وملحقٍ يتضمن نص قانون وقف ولاية سلانغور (رقم 7 لسنة 1999). بالإضافة إلى قائمة عن النظام الأساسي وقائمة القضايا ومسرد وقائمة المراجع وفهرس تفصيلي. ووفقا للمؤلفة فإن ” المحتويات الرئيسية للكتاب تركز على الأحكام القانونية للوقف في التشريع الماليزي بالاضافة الى دور المجالس الدينية الإسلامية في الولايات بصفتهم الأمناء الوحيدون لأصول الوقف “.
الفصل الأول: يتناول ” مؤسسة الوقف في الإسلام “؛ وهو ذو طابع تمهيدي تعريفي، يصف ما وراء النصائح القرآنية من ناحية التصرف في الملكية؛ مثل الوقف والمؤسسات التعليمية الإسلامية. وهناك أيضا مناقشة وجيزة جدا عن الطبيعة الدائمة للوقف. وتدعم المؤلفة الديمومة من حيث كونها السمة أساس في الوقف بالرغم من وجهات النظر التي تصر على أن الوقف [قد] يكون مؤقتا كما هو عند الإمامين مالك وأبي حنيفة. ولم ترِد [في الكتاب؟] أي إشارة إلى الأساس المنطقي وراء إلغاء الوقف الذري في العديد من دول الشرق الأوسط أو تقييد عمر هذه الأوقاف إلى جيلين أو إلى (60) سنة.
الفصل الثاني: يصف نشأة وتطور الوقف في ماليزيا؛ فتشير المؤلفة أنه لا يُعرف الكثير عن الطريقة التي كانت تدار بها الأوقاف خلال فترة ما قبل الاستعمار. ولا توجد معلومات متاحة كثيرة عن قانون يحدد التعامل مع الأوقاف خلال هذه الفترة، باستثناء إشارة وجدت في قوانين باهانج Pahang عام (1596) في عهد السلطان عبد الغفار (1592-1614). ولم يُعثر على ذِكر للوقف في مجموعات أخرى من القوانين مثل قانون مِلاكا Melaka في عام (1523)، والقوانين التسعة والتسعين في فيرق Perak لعام (1765)، وجوهور دايجست القانونية (1789) وكيدا دايجست القانونية (1605).
وترى المؤلفة أن “الحكومة البريطانية لشركة الهند الشرقية، أوقفت في بداية القرن التاسع عشر أراض لمساجد ومقابر المسلمين في بيننغ Penang”. ومن المفارقات، فقد حوّل مجلس الأوقاف الذي شكّله البريطانيون دخْل الوقف لأهداف أخرى. ولا غرابة في ذلك فقد كان جميع أعضاء المجلس من الإنجليز. وكان إنشاء المجالس الدينية الإسلامية في الولايات ( SIRCs ) أحد التطورات المهمة خلال مرحلة ما بعد الاستقلال؛ فقد أسنِد اليها جملة أمور، وإشراف وإدارة الأوقاف، استنادا لقانون إدارة القانون الاسلامي الذي شُرع قي مختلف الولايات. وعلى حد تعبير المؤلفة، فإن تبرير هذا التغيير قد أدى الى وجود إتجاه معقد وذاتي للإنسان، أي أن أمناء الأوقاف في هذا السياق من المناقشة، هو التعامل مع مسألة الصدق والثقة، حيث من الصعب العثور على هاتين الميزتين في هذه الأيام. وللحفاظ على الإشراف على أصول الأوقاف فإن وجود أمناء خاصين بها يعني تعرضها للفساد، وسوء الإدارة، والفساد الاداري.
وقد اثيرت نقطة مهمة في هذا الفصل تتعلق بنقص معرفة العدد الفعلي للأوقاف الموجودة في البلاد إذ لم يسبق إجراء مسح منهجي عنها. كما أن الهيئة الوطنية لتنمية الأوقاف واللجنة التوجيهية الإدارية التي تأسست عام (1988) [كانتا] تحت دائرة الأراضي والأملاك التابعة لرئيس الوزراء، فان اللجنتين الفرعيتين، أي اللجنة الفرعية لإدارة شؤون ممتلكات الوقف واللجنة الفرعية للإدارة القانونية لممتلكات الوقف، فإن جهودهما المبذولة لجمع معلومات عن الأوقاف الموجودة في البلد كانت سدى، بسبب عدم توفير معلومات من المجالس الدينية الإسلامية في الولايات.
ويسلط الكتاب أيضا الضوء على حقيقة أنه باستثناء ولاية سِلانغور Selangor، فإنه لا يوجد تشريع منفصل للتعامل مع الأوقاف. حيث تخضع إدارتهم لإدارة قوانين الشريعة الإسلامية التي سنّتها الولايات أو الأقاليم الاتحادية. وكما هو معروف فإن لدى تشريعاتها ـ باستثناء ولاية سلانغور ـ قاعدة عدم السماح للمسلم أن بوقف أكثر من ثلث ممتلكاته. [مع أنّ] القانون الإسلامي يضع شرط الثلث في حالات الأوقاف الني تنشأ من خلال الوصية أو مرض الموت.
وانتقدت المؤلّفة هذا القيد وأوصت بتعديل الأحكام ذات الصلة لتكون منسجمة مع الشريعة الإسلامية. وانتقدت أيضا قانون استملاك الأراضي لعام (1960) لِسماحه بشراء الأراضي الوقفية بسلطة الدولة للأغراض العامة، والتنمية الاقتصادية الوطنية أيضا.
ويتطرق الكتاب أيضا للوضع القانوني لأوقاف الأسرة في ماليزيا، ومشكلة تنازع الاختصاص بين المحاكم، المحكمة المدنية ومحكمة الشريعة الإسلامية في مسائل إصدار الأوامر، والاحكام، والقضايا المفصول بها، واختلاف الدين بين المدعي والمدعى عليه، الخ. وتخلص الكاتبة إلى”أنه اذا تم تحديد موضوع الدعوى تحت تشريعات الدولة، مثل حالة الأوقاف، فإنه يجب أن يفصل فيها قضاة المحكمة الشرعية، وليس المحكمة المدنية”.
الفصل الثالث: يناقش الوضع القانوني لمجالس الدولة الدينية الإسلامية في كل ولاية. وهنا تعارِض المؤلفةُ الموقف القانوني الحالي الذي يعهد بجميع الأوقاف إلى المجالس الدينية الإسلامية في الولايات جميع الأعيان الوقفية في المجالس الدينية الإسلامية في الولايات SIRCs بينما تذهب غلّتها إلى بيت المال. ووفقا للمؤلفة فإن رأس المال الموقوف سيستخدم حسب شروط الواقف، والدخل لن يكون جزءا من بيت المال.
[انتقدت المؤلفة الأحكام القانونية لبعض الولايات التي تسمح للمجالس الدينية الإسلامية بعد موافقة من حاكم الولاية المعنية بإغلاق أو هدم أي مسجد. وترى أن الهدم يجب أن لا يقع على أي مبنى وقفي خاصة إذا كان مسجدا، ما لم يستبدل بمبنى جاهز للاستبدال. والواقع أن المذاهب الأربعة لأهل السنية تمنع استبدال المساجد إذا لم ينص الواقف على ذلك في صك الوقف.]في هذا الفصل مناقشة جيدة حول المشكلات التي واجهت المجالس الدينية الإسلامية في الولايات لمّا اتجهت لتطوير ممتلكات الوقف؛ المشكلة الأولى والأهم هي المالية، فقد تردّدت الحكومات والوكالات المالية الأخرى في تمويل تطوير عقارات الوقف لاعتقادهم أنهم لن ” يتلقوا هامش ربح كاف مقارنة مع معدل القيمة السوقية … .” ونشأت مشكلات قانونية غير مباشرة بسبب كلٍ من قانون الأراضي الوطنية عام (1965) وقانون التحكم في الإيجار (1966) وقانون الحكم المحلي عام (1976)، وقانون استملاك الأراضي عام (1960) بصيغته المعدلة عام (1997)، وقانون الإغاثة (عام 1950 م).
وتشير المؤلفة إلى أن المجالس الدينية الإسلامية في ولايات ماليزيا لم تعين موظفين محددين للإشراف على أصول الأوقاف باستثناء ولايات جوهور، ومَلاكا Malacca، وسِلانغور. ولكن أيّا من الذين عُيّنوا يفتقر إلى التدريب أو الكفاءة في تحليل الاستثمار وإدارة المشاريع، وإدارة الممتلكات ، وتقييم الممتلكات الخ … “.
الفصل الرابع: يكرر هذا الفصل مناقشة مشكلات الوقف المذكورة اعلاه، ولكن بتركيز على الاقليم الاتحادي لكوالامبور.
وأخيرا ، الفصل الخامس: وهو خلاصة موجزة تركز بشكل كبير على تقييم ما قامت به المجالس الدينية الإسلامية في الولايات نحو إدارة وتطوير الأعيان الوقفية. وتخلُص المؤلفة إلى القول إن المجالس الدينية الإسلامية في الولايات ” لم تف دورها بوصفها مجلس الأمناء الوحيد لأصول الأوقاف … وعلى الرغم من هذا، ومع ذلك، يمكن للمرء أن يعترف بوجود عدد قليل من الإسهامات الإيجابية لتلك المجالس”.
الكتاب بصفة عامة محاولة جيدة جدا في تقييم وضع الأوقاف في ماليزيا، وطرح المشاكل التي يواجهونها، وبعض الحلول الممكنة. وتكمن قيمة إسهام المؤلفة أنها شرعت بجرأة في رحلة الاسكتشاف، لعلمها التام بكثير من المخاطر المحتملة ونجحت إلى حد كبير، في تحقيق هدف جمع المواد ذات الصلة، وتحليلها أفضل تحليل، وتركها تحديا للباحثين في المستقبل لاختيار دفة القيادة من حيث أنتهت.
وقد تمت طباعة الكتاب بدقة وجلد بشكل رائع، ولكن للأسف لم يتم إعطاء الكثير من الرعاية لجودة اللغة المستخدمة والبناء النحوي، و كان من واجب الناشر (جامعة ملايا برس) أن تقدم مساعدة فعالة للتحرير للحد من العيوب التي اسقطت قيمة الكتاب. ويشفع لهذا عدم وجود الحرفية في الطباعة من ناحية الأخطاء المطبعية وإعداد الصفحة، مما قد يؤدي الى إضافة المزيد من الصدقية للكتاب، وعوضا عن ذكر أسماء شركات الأوقاف المختلفة فقط مثل شركة شبكة التنمية، والشركات التي أنشأتها المجالس الدينية الإسلامية في الولايات، كان من الأحرى وصف إنجازات هذه الشركات وتقييم عملها بمساعدة البيانات الإحصائية. وذلك لتوفير معلومات قيمة عن المؤسسات الوقفية في جميع أنحاء العالم، والتي تسعى حاليا لإيجاد وسائل فعالة لتطوير العقارات الوقفية. وبالمثل، لا يوجد سوى إشارة واحدة عن إنشاء قسم الاوقاف، والزكاة والحج في عام (2004) تحت إدارة رئيس الوزراء دون إعطاء أي معلومات عن إنجازات هذه الادارة. كما أن المناقشة الواردة في الفصل الخامس حول الأوقاف في كوالالمبور أسلوبها سردي دون أي تحليل متعمق أو تعليقات إنتقادية. والانتقادات التي وجهتها المؤلفة ضد المجالس الدينية الإسلامية في الولايات صحيحة في الواقع، ولكن لم تضع اقتراحات بديلة قابلة لتصحيح المشكلة. وقد يكون من الأفضل أن يكون لكل ولاية مجلس أوقاف يتكون من عشر أعضاء يعيّنهم السلطان بناء على توصية المجالس الدينية الإسلامية في الولايات. ويجب أن يكونوا خبراء في الشريعة، والإدارة، والقانون، والمالية، والاقتصاد. دون إنتماءهم السياسي. وان تناط مهمة رعاية الأوقاف وتنميتها إلى مجالس إدارة الأوقاف وليس لشركات تنمية الوقف. لأن تأسيس شركة بموجب قانون الشركات يعني أن أفعالها تكون ضمن اختصاص المحاكم المدنية. وينبغي حين إنشاء مجالس إدارة الوقف أن يكون هناك نوع من السلطة المركزية للإشراف على عملهم وتقديم المشورة والإرشادات لهم. ولهذا نحتاج إلى مجلس استشاري اتحادي للأوقاف، وهو هيئة غير قانونية تحت إدارة رئيس الوزراء ويتكون من عشرين عضوا، ترشحه الولايات المختلفة والمقاطعات الاتحادية. ويرأسه نائب رئيس الوزراء. ويجوز أن يجتمع مرتين سنويا لتقديم المشورة لمجالس إدارة الأوقاف، وحكومات الدولة وغيرها من المؤسسات التي لها صلة بمسائل الوقف، وذلك لإعداد مبادئ توجيهية للقيام بتطوير عقارات الوقف على نطاق واسع يشمل جميع أنحاء البلاد، وللتفاوض على قروض أو تمويل لهذا الغرض من البنوك داخل وخارج ماليزيا، وبذل جهود جدية مع حكومات الدولة لإجراء مسح منهجي عن ممتلكات الوقف. هذه التدابير ربما قد تحسن في الإتجاه القديم الذي تتخده المجالس الدينية الإسلامية في الولايات نحو الاوقاف. وقد تقوم المؤلفة بالأخذ بعين الاعتبار لهذه الاقتراحات حين إعداد الطبعة الثانية من هذا الكتاب.
تستحق الدكتورة ستي [ماشِطة] Mashitoh الثناء على مجهودها الرائد في إجراء البحوث في مجال إدارة الوقف في ماليزيا . جزاها الله خيرا لعملها الدؤوب والمثابرة.
المصدر: موقع وقفنا ـ 23/ 5/ 1437 = 3/ 3/ 2016