خطبة جمعة في التوعية بالوقف من جامع بعاصمة دولة قطر
ألقى الشيخ عبد الله عمر البكري أمس خطبة الجمعة في جامع عمر بن الخطاب بالدوحة عاصمة دولة قطر؛ تحدّث خلالها عن موضوع الوقف. ومما فال فيها: إن الوقف رغم أنه من الصدقات المندوبة إلا أنه يعد من أفضل تلك الصدقات وأدومها وأعمها معتبرا انه نوع من الإنفاق الذكي لأن مردوده وأرباحه تصل إلى الواقف حيا وميتا. وأكد أن المسلمين بلغوا في الأوقاف حد الذروة؛ حيث أقاموا المؤسسات الاجتماعية لوجوه البر والخير كما أوقفوا للعلم وللقضاء وللصحة وللفقر وللقرآن وحفظته وللمساجد والمدارس والأئمة والعلماء.
وكان الشيخ البكري قد استهل خطبته بقوله:
معاشر الأحبة .. لا يزال المسلمون بخير وألفة ما شاعت بينهم روح التعاون والتكافل والتراحم، وإن من أعظم ما يشد من أزر المجتمعات ويوثق بين المسلمين الصلات الأوقاف الشرعية الخيرية. التي ميز الله بها أمة الإسلام عمن سواها، قال الشافعي -رحمه الله-: “لم يحبِّس أهل الجاهلية -فيما علمته- دارا ولا أرضًا تبَرُّرًا بحبسها.. وإنما حبَّسَ أهل الإسلام” .
والوقف -عباد الله- من الصدقات المندوبة.. غير أنه أفضلها وأدومها وأعمها وإن شئت عرفته بأنه الإنفاق الذكي. فهو ثواب للواقف، ومورد تصله أرباحه حيا وميتا. الوقف رحمةٌ وإحساسٌ نبيل ودعمٌ بالغٌ لبقاء هوية الأمة. وهو أحد الأمور الثلاثة التي لا تنقطع بوفاة المرء كما قال -صلى الله عليه وسلم-: “إذا مات ابنُ آدمَ انقطَعَ عملُه إلا مِنْ ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له” رواه مسلم. ومن هذا المنطلق ضربت أمة الإسلام فيما مضى أرقى الأمثلة على جدارتها وسموها ونبلها وتلاحم أفرادها. وكان أول من بادر إلى مثل هذا الأوقاف هم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال جابر -رضي الله عنه-: “لم يكن أحدٌ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- له مقدرةٌ إلا وَقَف”. وهم خيرقدوة للأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم.
ذروة
لقد بلغ المسلمون في الأوقاف ذورتها؛ فأقاموا المؤسسات الاجتماعية لوجوه البر والخير .. فأوقفوا للعلم وأوقفوا للقضاء وأوقفوا للصحة وأوقفوا للفقر وأوقفوا للقرآن وحفظته وأوقفوا للمساجد والمدارس والأئمة والعلماء .. وغير ذلك، مراغمين بذلكم بواعث الشح التي يؤز إليها الشيطان أزّا؛ ليرهبهم بالفقر وخوف العيلة. (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: لما نزلت: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً… )، قال أبو الدحداح: يا رسول الله .. وإنَّ اللهَ يريدُ منَّا القرض؟، قال: “نعم يا أبا الدحداح”- نعم يريده رحمة بخلقه ورعاية لما يصلحهم وإلا فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه -، قال: فإني أقْرضْتُ ربي حائطًا فيهِ ستمائة نخلة، ثم جاء يمشي حتى أتى الحائِطَ وفيه أمُّ الدَّحداح في عيالِها فنَادَاها: يا أمَّ الدحْدَاح، قالت: لبَّيك، قال: اخرُجِي؛ فإني قدْ أقرضت ربي حائطنا” رواه البزار وصححه الهيثمي، فأخذت أولادها وخرجت من البستان العامر مهنئة زوجها بربح الصفقة ففي بعض الروايات أنها قالت: “ربَحَ بيْعُكَ أبَا الدَّحْداح”. وإي والله إنه لبيع رابح.
متطلبات
معاشر المسلمين … ولكل بلد حاجاته ومتطلباته، إلا أن من فقه الوقف وحسن الدراية بأبواب التجارة الرابحة مع الله في أزمنة الغفلة والبعد عن هدي الشريعة أن تتضاعف الجهود في الوقف على نشر العلم الشرعي وبناء دوره وكفالة طلابه وكذا الوقف على الدعوة إلى الله جل وعلا ونشر علوم الشريعة وحراسة السنة من خطر البدعة، وحماية الفضيلة من غوائل الرذيلة، وبناء المراكز الإسلامية لدعوة غير المسلمين في بلاد المسلمين وخارجها فهذه أبواب عظيمة للخير والبر ونفعها كبير جدا في إعزاز الإسلام ونصرته وتبليغه ونشره .
ملايين
فها هي الملايين تدخل في الإسلام في الأعوام الأخيرة مع تبعثر الجهود وقلة الإمكانات فكيف لو تظافرت جهودنا وتضاعف بذلنا، كم سينقذ الله بنا من الكفر وكم سيهدي الله بنا من الضلال. ويدخل في ذلك الوقف على وسائل الإعلام المعنية بنشر الدين والسنة والفضيلة ومحاربة الضلال والبدعة والرذيلة . وفي البلدان الفقيرة التي لا تقوم فيها الدولة بالخدمات الأساسية كالرعاية الطبية ورعاية الأيتام والمحتاجين ونحو ذلك يبنغي قيام المحسنين بالوقف على ذلك لأنها من مصالح المسلمين وحاجاتهم. والعاقل لا ينتظر ساعة الموت فيتمنى أن يمهل ليتصدق بل يبادر بالخير لأن الموت لا يستأذن أحدا (ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون). (فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) .
وفي الخطبة الثانية قال الشيخ البكري: إن من يقرأ تاريخ الأوقاف عبر العصور يجد أمراً عجباً، من اتساع دائرة الأوقاف وشمولها لجميع احتياجات المجتمع المسلم وتمويلها لكثير من مناشط النفع العام، وهذا لعمري من محاسن هذه الشريعة التي تُشعر الغني بمسؤوليته في الأمة، وقد بلغت بعض البلاد الإسلامية آنذاك مبلغاً عظيماً في جانب الأوقاف؛ فلقد حصرت المساحات الزراعية فيها فوُجِد أن ثلثي تلك المزارع قد أوقفت وقفاً خيرياً أو ذرياً. غير أن المتأمل لواقعنا يدرك عمق الهوة بيننا وبين ماضينا في باب الأوقاف، ويرى مدى انحسار الوقف في عصرنا الحاضر ليغيب عن تواجده المعهود أزمانا خلت .. والذي يرجع سببه إلى الجهل بقيمته وفضله وإلى التسويف والتأجيل إلى أن تحل المنية ثمة لا وقف . هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد حرص الحكام المنابذون للشريعة، المناوئون لحملتها على القضاء على الوقف، وتجفيف منابعه بل ومصادرته وسرقته، كما صار في تونس وأوقاف الأزهر العظيمة وغيرها من أوقاف المسلمين، وذلك لعلم أولئك الطغاة بالصلة الوثيقة بين عز الدين ومنعته وبقاء الأوقاف كمورد من موارده .
شح
وللشح دورٌ كبير حل دون وقف كثير من الأثرياء، إضافة إلى ضعف الثقة بنظار الأوقاف أو أمنائها والعجب كل العجب -عباد الله- ممن وهبهم الله تلك الملايين المملينة، وأسبغت عليهم نعم الله ظاهرةً وباطنة، ثم هم لا يحدثون أنفسهم بالوقف حديثاً متبوعاً بالعمل. فكم من غني أفنى عمره في جمع المال وتعداده وكأنه خزانةٌ لمن بعده جرت بين يديه أموال عظيمة لكنه بخل على نفسه بما يبقى له أجره وذكره حتى مات ولم يحول من أرصدته شيئا لدار إقامته، فقدم فقيرا من البر مفلسا من الخير، وترك ما ظل يلهث في تجميعه خلفه، فإذا هلك ذهب ما جمعه شذراً مذراً، يلعب به من لا يدعو له، وخير الورثة من يتصدق عنه مورثه بالفتات وقد ورث عنه القناطير.
أصلح
ولأجل هذا -عباد الله- فإن الأصلح لكل ثري جاوزت ثروته حدود حاجاته، أن يقدم الوقف على الوصية، لأنه أضمن وأنجز، وهذا مجرب لدى أهل عصرنا، فالوقف منجزٌ في حياته وبإمكانه إدارته بنفسه ما دام حيا، فإذا جاء أجل الله سار وقفه على ما هو عليه لا تقطعه وفاته، بخلاف الوصية.. فإنه لا يدري كيف يصنعون بها وهل يعملون بها أو يكتمونها. ثم إن الغالب في التركات الكبيرة أن تمضي عليها السنون الطوال ولما تقسم بعد بسبب تشعبها وكثرتها وخلاف ورثتها؛ فتتعطل الوصية تعطلا بالغا بسبب ارتباطها بالقسمة، بخلاف الوقف.. فإنه قد أنجز إبان الحياة فلا علاقة له بقسمة التركة. فكم من ميت مضت على وفاته السنون الطوال ولا تزال وصيته حبيسة التصفية وحصر التركة، بخلاف الوقف فإنه ينال أجره وهو حي يدركه ويشعر به ويملأ السرور نفسه وهو يرى بعينه عموم نفع ماله للمسلمين، لا منة لأحد في تنفيذه ولا عوائق تحول بينه وبين إتمامه. كما إنه ينبغي أن يعلم أن أهل العلم -رحمهم الله- ذكروا أن للواقف أن يشترط الاستفادة من غلة وقفه ما دام حياً تحسباً لنوائب الحياة قبل مماته.. فإن شاء أخذ منه وإن شاء أنفقه، فإذا مات بعد ذلك صار حتماً إلى وجوه الخير والبر.
نعم
فيا من أنعم الله عليك بالمال بلا حساب ولا عد، اعلم أن الأمانة عظيمة، وتذكر حقيقة ربما غابت عن بالك، وهي أن هذه الأموال العظيمة التي بين يديك ليست مالك إنما هي مال الورثة، أما أنت فيكفيك منها الشيء اليسير، أما مالك فهو ما حولته بنفسك إلى رصيدك الدائم في دار إقامتك، وأودعته عند من لا تضيع عنده الودائع، لست أنا الذي قلت هذا إنما هو حبيبك صلى الله عليه وسلم، إذا قال لأصحابه: “أيُّكُمْ مالُ وارثِهِ أحبّ إليهِ مِنْ مالِه ؟، قالوا: يا رسول الله.. ما منَّا أحدٌ إلا مالُه أحبّ إليْهِ، قال: فإنَّ مالَه مَا قدَّم ومَال وارثِه ما أخَّر” رواه البخاري في (الأدب المفرد).ألا إن المال غاد ورائح ومقبل ومدبر، والمال يزيد الكريم سماحة وفضلا ويزيد اللئيم دناءة وشحا، إلا في هواه، وليس المال إلا وسيلة لرضا الله جل وعلا بالإنفاق والبذل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أفضَلُ الصَّدقَةِ مَا كَانَ عنْ ظهْرِ غِنَى” متفق عليه.. ورضي الله عن عمر الفاروق الملهم .. فقد خرج يوماً إلى البقيع فقال: “السلام عليكم يا أهل القبور.. أخبار ما عندنا أنَّ نساءَكُم قد تزَّوجْن ودُورَكُم قدْ سُكِنَتْ وأموالَكُم قَد قُسمت، فأجابه هاتف: يا عمرُ بن الخطاب.. أخبارُ ما عنْدنا أنَّ ما قدَّمْنا وجدْنَاه، وما أنفقْنَاه فقَد ربحْنَاه، وما خلَّفنَاه فقدْ خسِرنَاه”.
المصدر: صحيفة الراية القطرية ـ 5/ 3/ 1433