لقاء مع المدير التنفيذي للوقف العلمي في جامعة الملك عبد العزيز
أجرت مجلة الوقف العلمي لدعم أبحاث جامعة الملك عبد العزيز لقاءا حواريا مع الدكتور عصام بن حسن كوثر المدير التنفيذي للوقف العلمي لدعم أبحاث جامعة الملك عبد العزيز؛ أجاب فيه سعادته عن عدة تساؤلات متعلقة بفكرة برنامج الوقف العلمي في الجامعة، وأهم إنجازاته، وكيفية الاستفادة من التجارب المشابهة في مجال الوقف العلمي، وما هي أهم أوجه الصرف لهذا الوقف، وتقبل المجتمع لفكرة الوقف على البحث العلمي إلخ…
ـ ما هي فكرة برنامج الوقف العلمي ؟
نشأت هذه الفكرة من خلال مجموعة من أساتذة جامعة الملك عبدالعزيز الفضلاء الذين كانوا يتحدثون مع مجموعة من رجال الأعمال الغيورين بمدينة جدة حول أسباب تأخر الأمة العربية وبعد نقاش مستفيض طلبت المجموعة من أحد الأساتذة المشاركين إجراء دراسة حول أسباب هذا التخلف مقارنة بدول العالم الأخرى. وكانت النتائج التي تم التواصل إليها تشكل صدمة, حيث أثبتت الدراسة أن الدول العربية لا تصرف على البحث العلمي (يشار اليها البحوث والتطوير في القطاع الخاص), في حين أن دول العالم المتقدم مثل السويد واليابان تنفقان نحو 3% من دخلهم القومي على البحث العلمي, أما الدول العربية مجتمعة فلا تتفق أكثر من 1%. وإذا نظرنا إلى مساهمات القطاع الخاص في العالم في هذا المجال نجد أنها تمول نحو 60% – 70 % من ميزانيات البحث العلمي في دولهم, أما الشركات العربية فلا تنفق على البحث العلمي في العالم العربي الا النذر اليسير جداّ جداّ. ومن هنا نلاحظ أن الشركات العربية لا تمارس دورها كما تمارسه الشركات العالمية في البحث والتطوير, وهذا يشرح أسباب ضعف القدرات التنافسية بالشركات في العالم العربي بشكل عام مقارنة بالشركات المتعددة الجنسية. أما إذا نظرنا إلى الجامعات فإن الأمور ليست أفضل حالاً, فجامعة هارفارد الأمريكية مثلاً تملك أكبر وقف في العالم حيث بلغ حجم هذا الوقف في عام 2002 (17.5) بليون دولار وهي ميزانية عدة دول مجتمعة, وفي عام 2006م وصل حجم وقف إلى حوالي 29 بليون دولار. من هنا برزت فكرة وقف البحث العلمي وهو أحد أوجه الإنفاق الشرعية والإسلامية التي اعتنت بها الدولة الإسلامية في الماضي وحقق لها بعد فضل الله سبحانه وتعالى وعونه الرقي والرفعة بين كافة الأمم في ذلك العصر. وقد قام معالي مدير الجامعة بتشجيع وتبني هذا المشروع الرائد وجرى تطويره من قبل لجنة شكلها معاليه لهذا الغرض وكان يرأسها سعادة أ. د. محمد نور ياسين فطاني (وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي سابقاً). وبعد استكمال تطوير هذا المشروع الطموح تم عرضه على صاحب السمو الملكي الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز – أمير منطقة مكة المكرمة السابق رحمه الله – قبل ثلاثة أعوام تقريباً. وقد تبنى سموه أيضاً هذا المشروع ودعى إلى حفل خاص حضره عدد من رجال الأعمال والإعلاميين جرى خلاله عرض مشروع الوقف عليهم ثم تم جمع بعض التبرعات لصالح إنشاء هذا الوقف العلمي وتبرع سموه بقطعة أرض له وبعدها انطلق المشروع ليصبح الحلم حقيقة.
ـ ما أهم إنجازات الوقف حتى الآن؟ قام الوقف بتحقيق العديد من الإنجازات من أهمها : أولاً : وضع النظام الأساسي لمشروع الوقف العلمي والذي استغرق إعداده بعض الوقت حيث أجريت دراسة للأوقاف القائمة حاليا, وتمت الإستفادة من تجاربها, وقد شارك في هذا العمل مجموعة من رجال الأعمال وبعض قيادات القطاع الخاص. ثانياً : حصلنا على صك الوقفية من المحكمة الأمر الذي يتيح لنا قبول الأوقاف العينية مثل البيوت والأراضي والعقارات والأوقاف النقدية وهو إنجاز جيد, جزى الله خيراً كل ما ساهم في تحقيقه. كما تم تشكيله “مجلس نظارة الوقف” ويتكون من مجموعة من الشخصيات برئاسة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة رئيس لمجلس النظارة ومعالي مدير جامعة الملك عبدالعزيز نائباً للرئيس, كما يضم أربعة أعضاء من داخل الجامعة وأربعة من رجال الأعمال, ومجموعة من علماء الدين ومن بينهم معالي الشيخ صالح الحصين رئيس الحرمين الشريفين والشيخ راشد الهزاع رئيس المحكمة العامة بجدة. ويمارس المجلس عمله لمدة أربع سنوات ثم تقوم الجمعية العمومية للوقف بإنتخاب مجلس آخر, أو التجديد للمجلس القائم.ثالثاً : حصلنا على الإذن من الجهات الرسمية بفتح حسابات للوقف في البنوك المحلية.رابعاً: حصلنا على سجل تجاري وهو يمثل الذراع الإستثمارية الوقف.
ـ كيف استفدتم من التجارب المشابهة في هذا المجال؟
عندما بدأنا بتأسيس الوقف اطلعنا على الوجوه التي تنفق من خلالها العوائد وعلى تجارب الجامعات العالمية في الإنفاق ونستفيد حالياً من التجارب العالمية في استثمار أموال الوقف العلمي وكيفية إنفاقها.
ـ هل بدأ البرنامج في تمويل بحوث علمية سواء داخل المملكة أو خارجها؟
ليس بعد فالمبالغ التي تم جمعها لازالت بسيطة ولا تزيد عن 20 مليون ريالاً وتم استثمارها في صناديق استثمارية إسلامية ضئيلة العوائد نسبياً ولازلنا نحتاج في هذه المرحلة إلى جمع تبرعات إضافية تمكننا من تحقيق عوائد مناسبة لصرفها على الأبحاث الدراسات
ـ ما هي أهم أوجه الصرف لهذا الوقف ؟
هناك أوجه عديده أهمها : الإنفاق على بحوث ذات علاقة بالحج والعمرة (كالإسكان والمواصلات والتلوث وغيرها) دراسات حول إستراتيجية التنمية البشرية في المملكة وسبل تذليل عوائقها دراسات تتناول التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية ومن بين أوجه الإنفاق التنمية الإقتصادية وتحدياتها, ومنها تحديات العولمة الإقتصادية وكذلك إجراء العديد من الدراسات الإجتماعية الهامة ومنها العنوسة، الطلاق، البطالة، المخدرات وما شابهها من مواضيع وخصص جانب من الإنفاق لصالح الأبحاث الخاصة بموضوع المياه وهي قضية هامة وحيوية ليس فقط في بلادنا الغالية بل في الكثير من دول العالم. وهناك اهتمام بالبحوث الطبية ومنها البحوث الخاصة بالأمراض الوراثية, والأمراض الوافدة, والمتوطنة في المملكة, ومكافحة التلوث.
ـ ما هي نوعية الأوقاف التي يقبلها البرنامج ؟ وهل هناك شروط لقبولها؟ لا توجد شروط محددة لنوعية الوقف وإنما يجب أن يكون الوقف محدد النوعية بمعنى أن يكون الوقف نقدي أو عيني, وإما أن يكون مخصصا أو مفتوحا إذ يمكن للوقف أن يحدد نوعية البحوث التي ينفق عليها, فيخصص الوقف وعوائده لصالح الجانب البحثي الذي يحدده الوقف, وإذا لم يحدد فإنه يتم استثمار العائد من الوقف لصالح كافة مجالات البحوث التي يقوم البرنامج بتنفيذها.
ـ كيف تجدون تقبل المجتمع لفكرة الوقف العلمي ؟
لم نصل إلى المجتمع بكافة شرائحة حتى الآن فلازلنا في المراحل الأولية ولكن سبق أن أقمنا عددا من اللقاءات التعريفية والمناسبات الخيرية لرجال الأعمال لدعم الوقف, وجميع من أتيحت لهم الفرصة للإطلاع على البرنامج سروا كثيراً بما شاهدوا وسمعوا وهناك العديد من الشخصيات التي أبدت تقديرها للمشروع وما تم إنجازه كما قاموا مشكورين بالتبرع لهذا المشروع. كما ان هناك عدداً من الجامعات السعودية بدأت في تنفيذ البرنامج ونقل التجربة. ولعله من المفيد أن أضيف هنا أن الوقف العلمي قد دعى شخصيات دينية وإجتماعية مرموقة لزيارته بالجامعة ومنهم معالي رئيس مجلس الشورى فضيلة الشيخ صالح بن حميد ورافق معاليه كوكبة من أعضاء مجلس الشورى وقد أبدى جميعهم اعجابهم ودعمهم الكامل لهذا المشروع الرائد.
ـ هل يقتصر تمويل الدراسات على الباحثين في المملكة ؟ أو أنه متاح للباحثين من العالم الإسلامي ؟
لا يقتصر الدعم للبحوث في البرنامج على الباحثين السعوديين فقط وإنما يمكن أن يستفيد باحثون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي من دعم الذي يقدمه الوقف, كما لا نمانع في تقديم الدعم ما دام متوافقا مع الشروط المحددة من قبل مجلس النظار, ولا يوجد شروط خاصة بالباحثين وإنما الشروط تحدد على البحوث التي يودون إجرائها إذ يجب أن تعالج القضايا المحددة في الأولويات البحثية, خاصة أننا نهتم بالبحوث التطبيقية العملية والميدانية.
ـ هل تفكرون في دعوة سيدات الأعمال للمساهمة في البرنامج؟
هناك خطوات عملية اتخذت في هذا المجال من خلال مجلس النظارة حيث ناقش المجلس خطة للإستفادة من القوى البشرية النسائية ماديا ومعنويا, ووافق على تشكيل لجنة نسائية من داخل الجامعة وخارجها, وستضع خطة تسويقية في الوقف، كما تشارك في وضع أولويات البحوث, ونتوقع البدء في تنفيذ هذا الأمر خلال الأسابيع القادمة بإذن الله
ـ ما معوقات البحث العلمي في الدول الإسلامية ؟
أعتقد أن المعوق الأول هو هجرة العقول العربية إلى خارج, فلا ينقص العقول العربية الذكاء وهناك العديد من المؤسسات العلمية والبحثية العالمية ولديها علماء عرب ومسلمين مما يؤكد جودة العقل العربي, ولكن إذا لم توضع تلك العقول في بيئة منتجة فإننا سنخسرها فالبيئة التي تشجع على البحث العلمي ومنها المشاركة في البحوث العلمية تجني الكثير من الإنجازات, ومن بين المعوقات البيروقراطية والتي تعيق الاهتمام بالبحث العلمي ومن المعوقات أيضاً عدم تقدير الباحثين وبحوثهم وخاصة في الجوانب التطبيقية والتي ينتهي مصيرها إلى الرفوف, ومن هنا فإنه يجب العمل على تشجيع التعاون مع الباحثين ودعمهم. أما المعوق الثالث والمهم جداً فهو ضعف الإمكانيات المادية لمعظم المؤسسات الحكومية في البلدان العربية مما يمثل عقبة في الموارد المخصصة للبحث العلمي. وأخيراً هناك عدم شعور الكثير من شركات القطاع ورجال الأعمال بأهمية الصرف على البحوث والتطوير لافي داخل شركاتهم ولا في دعم المنظمات البحثية المتخصصة كالجامعات. وهذا عكس الحال في الدول المتقدمة, وبالطبع فإن ذلك مؤشر على درجة الوعي.
ـ هل تفكرون في استصدار فتوى شرعية لدعم الوقف العلمي ؟
لا يخفى على أحد أبداً فضل الوقف فهو صدقة جارية إلى يوم القيامة. با أن بعض العلماء الأفاضل يرى إن الإنفاق على الوقف العلمي يعتبر أحد مصارف الزكاة (في سبيل الله), ونأمل انم يساهم معنا المقتدرين على التبرع بمالهم وخصوصا من زكواتهم.
المصدر: مجلة الوقف العلمي لدعم أبحاث جامعة الملك عبد العزيز ـ 4/ 6/ 1431