كتب

عرض الدكتور عبد الرزاق بلعباس* لكتاب “البنك الوقفي”

البنك الوقفي، تأليف الدكتور فهد بن عبد الرحمن اليحي، منشورات مركز الخير الباقي للأوقاف والوصايا، القصيم: الطبعة الثانية، 1438 = 2016.
أصل الكتاب بحث مموَّل من قبل كرسي راشد بن دايل لدراسات الأوقاف بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، من تأليف فهد بن عبد الرحمن اليحي أستاذ الفقه والدراسات العليا بجامعة القصيم. وجاءت خطته في مدخل في التعريف بفكرة البنك الوقفي والحاجة إليه، وفصل تمهيدي في إنشائه، وباب أول يتناول مستنداته الشرعية، وباب ثان حول جانبه التنظيمي، وخاتمة.

 لا أريد الخوض في تفاصيل الخطة التي يمكن الرجوع إليها من خلال الضغط على هذه الجملة ، وما انبثق عنها من مسائل فرعية لعلّ من أبرزها: التكييف الفقهي للبنك الوقفي، وإطاره التنظيمي من حيث كونه بنكاً تجارياً، أو تعاونياً، أو شركة استثمارية، أو صندوقاً لتنمية الأوقاف، وكيفية إدارته من حيث السيولة والمخاطر.

المغزى من اختيار الكتاب هو أنه يُمثِّل أنموذجاً لتيار صاعد ينظر إلى الأوقاف بأنّها في المقام الأول من مؤسسات التمويل الاجتماعي الإسلامي، أو يعتبر أنّ صيغة البنك الوقفي هي أكفأ من حيث الميزة التنافسية من المؤسسات الوقفية التي ظهرت إلى الوجود حتى الآن. والفرق بين البنوك الوقفية وبين البنوك الإسلامية التجارية في نظر بعض أتباع هذا التيار، أنّ أرباح هذه الأخيرة توزع على المساهمين، أما أرباح البنوك الوقفية فتمول المشاريع الوقفية.
إنّ هذا التحوّل المعرفي يستدعي تجديد تأصيل أبعاد الوقف ضمن مقاربة متعددة التخصصات إلى أبعد من منظوري فقه المعاملات المالية والتمويل الإسلامي، حتى لا تستغرقنا تفاصيل فنيّة يصعب ضبطها، ونتوه في مسألة من يعارض الفكرة ومن يساندها (ص8). فالتحدي المعرفي الذي بات يواجه الصناعة الوقفية أبعد بكثير من مثل هذه الاعتبارات دون التقليل من شأنها، والمخاطر التي تُحدِق بها من جراء هذا التوجه الجديد لا يدركها إلا القليل ممن سلك هذا المسلك، مما يطرح مسألة خُلقيّة تتمثل في تحديد المسؤولية وتحملها إذا ما آل الوضع إلى ما لا تحمد عقباه بعيداً عن الأماني النبيلة والعواطف الجياشة؛ فليس كل ما يتمناه المرء جيد ونافع بالضرورة لمجتمعه بالنظر إلى موارده وحاجاته وأولوياته. وأخطر ما قد نصاب به هو أن نفكر بقلوبنا دون عقولنا، ولا نقرأ المشهد الاجتماعي والاقتصادي بأدوات تحليلية وبيانات موثوقة تم التحقق منها (verified) ويمكن التحقق منها (verifiable).
الوقف كأحد مخرجات الاجتماع الإنساني
من أسس العمران البشري أو الاجتماع الإنساني واستمراره وديمومته، توافر المقومات الرئيسة والركائز الأساسية التالية:
منطقة من الأرض أو إقليم يتجمع فيه عدد من البشر.
وطرق للتواصل مع العالم الخارجي.
ونظام معاش أو اقتصاد كما يقال اليوم.
وسلطة شرعية أو مرجعية سياسية تنبثق عن سكان المنطقة وتنال توافقهم.
ووعي مشترك يتمثل في شعورهم بذاتهم ومعالمهم وخصائصهم وتراثهم ومواردهم بشقيها المعنوي والمادي.
ورؤية مشتركة مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة (1) لهذا الاجتماع الإنساني على المدى الطويل إلى أبعد من العائد المادي.
وتوظيف لمقوماته بطريقة مثلى لتوفير حياة طيبة لكافة أفراده.
ومؤسسات تعكس تطلعاته وآماله وطموحاته مع الاستفادة من تجارب الآخرين التي لا تتعارض مع قِيَمه.
في هذا الإطار ينبغي تأصيل وظيفة الوقف إلى أبعد مما تطرحه دراسات الاقتصاد المؤسسي الجديد (new institutional economics) التي تتمحور حول دور المؤسسات في التنسيق الاقتصادي (economic coordination)، وما يطرحه مؤلف الكتاب من تحقيق “مقاصد الوقف بشكل أشمل” (ص6)، وهي عبارة عامة تحتاج إلى توضيح وبيان وضبط حتى لا يتحوّل الخطاب عن الوقف إلى مجرّد فن للإقناع.
ضرورة تصميم المؤسسات الوقفية الجديدة في ضوء أصول المعاش للعمران البشري
من المهم بمكان أن نتذكر أنّ الشرع يرعى أن تُنْمَى الملكيات قبل أن ترعى الملكيات الكبيرة (آل الشيخ، 2005: 16). وهذا ينطبق على الملكيات الفردية، والجماعية، والعامة، بخلاف الفلسفة التي ارتكز عليها المؤلف كما يظهر من تعريفه للبنك الوقفي بأنه: “منشأة جديدة تحقق مقاصد الوقف بشكل أشمل، ويعمل وفق النظام والأدوات والضمانات المصرفية المتعارف عليها، ويهدف إلى تجميع الأوقاف الصغيرة والمتفرقة في كيان جامع حيث لا يتيسر استثمارها منفردة” (ص30).
حتى يكون التعريف دقيقاً وعملياً لابد من مراعاة جملة من الشروط، لعلّ من أبرزها أن يكون جامعاً مانعاً، وأن يكون الـمُعرَّف واضحاً بحيث لا يُعرَّف المجهول بالمجهول الذي يحتمل معاني عدّة، كما هو حال عبارة “تحقق مقاصد الوقف”.
ويعكس هذا التعريف نظرة نخبوية للهندسة الوقفية تتمثل في وجود طائفة من المهندسين الذين يصممون منتجات جديدة تحقق مقاصد الوقف، وتستخدم الوسائل الأرقى والأجدى اقتصادياً، وتتناسب مع متطلبات العصر وثقافة العمل المؤسسي (ص11).
والأصل أنّ ابتكار الأوقاف هو نتاج لجهود المجتمعات بكلّ مكوناتها وشرائحها وفق ما يتناسب مع وضعها المعيشي. بما أن الوقف يلبي حاجة اجتماعية محليّة، ليس هناك وقف أفضل من غيره، مما يستدعي عدم التوسع في التركيبات الوقفية إلاّ في الحالات التي لا تستطيع فيها التركيبات القائمة تلبية الحاجات نفسها.
المغزى من استعراض الدراسات السابقة وتحديد الوضعية المعرفية
حبذا لو ركز المؤلف في استعراضه لأدبيات البحث على الأسباب والمبرارات والمسوغات (conditions of possibility) التي دعت من سبقة من الباحثين إلى طرح فكرة البنك الوقفي إلى أبعد من مسألة عدم وجود دراسة وافية عنه، فضلا عن قيام مشروع بهذا المسمى (ص10)، أو أوجه الاختلاف مع مشروعه (ص14). فالوضعية المعرفية لمحمد العصيمي في فكرة “بنك الأوقاف الخيري” تختلف عما طرحه المؤلف من باب اعتبار عموم البلوى في خلق النقود التي تَخدم مصلحة الأقوياء وتُرسِّخ التوزيع غير العادل للثروة، كما يظهر من مداخلته في ورقة البنك الوقفي ضمن فعاليات الدورة الأولى للمنصة العالمية الابتكارية لمنتجات الاقتصاد الإسلامي التي نظمها المركز العالمي للاقتصاد الإسلامي والمنطقة الحرة لدبي (العصيمي، 2012؛ 2015). هناك فرق جوهري بين طرح المشروع من باب عموم البلوى وكونه فكرة مبتكرة تمثِّل في حد ذاتها قيمة مرغوب فيها، وشكل مؤسسي أرقى مما هو مطروح في الصناعة الوقفية، وصيغة أفضل لاستثمار الوقف بأشكاله النقدية والعينية (ص 30).
علاوة على ذلك من المهم بمكان الذهاب إلى أبعد من التشخيصات التي تجعل من الوصف متغير يفسر كل شيء (essentialism). فوصف الموجودات باللاربوية -أو حتى بالإسلامية- لا يقتضي أنّ ما سواها عديم الأهمية أو لا يحتاج إلى تعمّق، لأن دراسة الإخفاقات لا تقل أهميّة عن دراسة النجاحات، كما لا يخفى على المتخصصين في تاريخ العلوم، وتاريخ التقنية، وتاريخ الوقائع الاجتماعية والاقتصادية. هذا يتطلب الرجوع إلى الوثائق التاريخية عن الأوقاف تفادياً للتعميمات المطلقة التي لا تعير اهتماماً لعاملي الزمان والمكان، ولا للخصائص المحلية والموارد غير المادية.
إنشاء بنك الوقف التركي في عام 1954م
يقول المؤلف (ص35): “لم أجد مشروعاً باسم بنك الأوقاف أو البنك الوقفي رغم وجود توصيات بإنشائه؛ ولكن من خلال التحري الدقيق وقفت على مسمى بنك الأوقاف التركي”. ينبغي تقييد مثل هذا الطرح بالزمان والمكان واللّغة لتفادي إطلاق حكم عام قد يساء فهمه.
ويضيف قائلاً (ص35): “وقد اجتهدت كثيراً ببعض الأساتذة من تركيا ومع ذلك لم أقف على معلومات عنه”. هناك دراسات علمية عن هذه التجربة بلغات عدّة. ومما وقفت عليه -تعميماً للفائدة- المرجع التالي باللّغة الإنجليزية:
Arda, S. A. (1994). The Establishment, Development and Features of the Turkish Banking Sector (Vakifbank), in BiliciFaruk. Le Waqf dans le monde Musulman contemporain), XIXe-XXe siècles fonctions sociales, économiques et politiques, Istanbul: Institut français d’études anatoliennes, actes de la table ronde d’Istanbul, 13-14 novembre 1992, collection Varia Turcica, 26, pp. 71-84.
وهي دراسة بعنوان “إنشاء وتطوير وخصائص القطاع المصرفي التركي (في ضوء تجربة بنك الوقف التركي)، أعدها الباحث التركي س. آدم أردا في الندوة العلمية الدولية التي نظمها في إسطنبول في 13-14 نوفمبر 1992م المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية حول موضوع “الوقف في العالم الإسلامي المعاصر (بين القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين): الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية”.
لكن فكرة المشروع ترجع -فيما يبدو- إلى بداية عهد السلطان رشاد الذي تولى الحكم في عام 1909م بعد عزل السلطان عبد الحميد الثاني، كما يدل على ذلك المرجع التالي باللّغة التركية:
Bayram, Sadi (1987). SultanReşadDevrindeEvkafBankasıKurulmaÇalışmaları, VakıfHaftasıDergisi, 5 (1987), pp. 215-222.
وتحمل هذه الدراسة عنوان “أعمال تأسيس بنك الأوقاف في عهد السلطان رشاد”، وهي من تأليف الباحث التركي سعدي بَيْرَم، وطرحت في الأسبوع الخامس للوقف الذي نظمته المديرية العامة للأوقاف بأنقرة في الفترة الممتدة بين 7 و14 ديسمبر 1987م.
علاوة على ذلك، ينبغي الذهاب إلى أبعد مما استخلصه المؤلف عن بنك الوقف التركي في الخاتمة من نتائج (ص209): “وهو بنك ربوي لا يختلف عن سائر البنوك”، بعد أن صرح (ص140) أن “تكييف البنك الوقفي على أنّه شكل من أشكال وقف النقود قد يكون أولى من صورة وصيغة وقفها التي أجازها المتقدمون، حيث المخاطر أقل من المخاطرة في وقف النقود كما تبين سابقاً”. فوصفه بالربوية ينطبق أيضاً على العديد من أوقاف النقود التي أنشئت في البوسنة والهرسك وتركيا (Bilici, 1996). مما يستدعي التعمق في تأصيل الموضوع من حيث ظروف النشأة والخصوصية المحلية قبل الدخول في تفاصيله بناء على الأسئلة التالية:
متى نشأت فكرة البنك الوقفي؟
وأين؟
ولماذا؟
هل نشأت لتطوير ما هو موجود (iterative approach)، وهو وقف النقود؟
أم للقضاء عليه والتخلص منه ليحل محله شيء جديد (disruptive approach)؟
وقف النقود ـ من الرهبة إلى الرغبة:
بعد أن أثار وقف النقود جدلاً حاداً بين الفقهاء قديماً وحديثاً، بات اليوم ليس من الممارسات المقبولة فحسب، وإنما أيضاً من الأشكال المرغوب فيها، ومن ثم شاعت عبارات من قبيل: رأس المال الوقفي، النقود الوقفية، والأوقاف النقدية.
هناك أسئلة جوهرية ينبغي للباحثين في تاريخ الوقائع الاجتماعية والاقتصادية أن يعتنوا بها مستقبلاً باعتبار أنّ التطبيقات الوقفية ليست نصوصاً مقدسة، وإنما مجرّد اجتهادات بشرية في ظلّ ظروف زمانية ومكانية خاصة؛ ومن أبرز هذه الأسئلة ما يلي:
لماذا لجأت بعض المجتمعات المسلمة إلى وقف النقود إلى أبعد من كونها صناديق تضامن وادخار (Biliciand Ammour, 1992)؟
من هم المستفيدون من وقف النقود ؟ على سبيل المثال أظهرت وثيقة تاريخية عن وقف النقود في البوسنة والهرسك يرجع تاريخها إلى القرن السادس عشر أن جلّ المستفيدين من القروض كانوا من التجار والحرفيين الذي لا يجدون صعوبة في تسديد ديونهم بالنظر إلى ملاءتهم المالية (Bilici, 1996: 84).
لماذا لجأت المجتمعات نفسها إلى التفكير في إنشاء بنك وقفي في بداية القرن العشرين (Bayram, 1987; Seyhun, 1992; Cizakca, 2004)؟
لماذا لم تستمر هذه المجتمعات في نموذج وقف النقود بعد أن مارسته طيلة قرون ؟
هل لجأت إلى إنشاء بنك وقفي عن طواعية أم أرغمت على ذلك في ظلّ تغير الشروط الأصلية للتلاؤم مع التشكيلة البنيوية للنظام الرأسمالي والتيار النيوليبرالي، بعد إضعاف الخلافة العثمانية بعزل السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909م، ثم إسقاطها في عام 1924م، وإحلال نظام علماني في البلاد؟
مخاطر اعتبار الوقف مؤسسة من منشآت التمويل الإسلامي الاجتماعي:
في السنوات الأخيرة بات الوقف يُعدّ من قبل بعض الباحثين في التمويل الإسلامي من مؤسسات التمويل الاجتماعي الإسلامي” (lslamic social finance)، وأحياناً من “المؤسسات المالية غير المصرفية” (non-bank financialinstitutions).
إنّ المناداة بإنشاء بنك وقفي بصيغة البنك التجاري (ص59) تُعزِّز – بطريقة أو أخرى- هذا التصور الذي يختزل الوقف في البُعد التمويلي، فيتحوّل الحديث عنه إلى خطاب فني يرتكز على الكفاءة والتنافسية (ص7)، ولا يُعير للأبعاد الأخرى مكانة كبرى على الرغم من أهميتها البالغة (Bilici and Ammour, 1992).
التحدي الذي يطرحه هذا التوجه هو أنّه بعدما استقلت الصناعة المالية الإسلامية عن منبعها المعرفي الأصلي -الاقتصاد الإسلامي-، ها نحن نشهد مرحلة جديدة تتمثل في تصوير مؤسساته العريقة -مثل الوقف والزكاة- بأنها منشآت تمويلية اجتماعية، وهو منظور ضيّق لا يمكن لمن يعي خلفياته وأبعاده ومآلاته أن يتركه يمر مرار الكرام من دون أن يحرِّك ساكنا ولو بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
آن الأوان للوعي بعدم محدودية الوسائل:
هذا التحول المعرفي الخطير الذي لم يُثِر بعد اهتمام الباحثين في الحقل يُبرِز ضرورة إدراج -في برامج الاقتصاد والتمويل الإسلامي وأقسام الشريعة والدراسات الإسلامية- مادة تُوَعي الطلاب بعدم حيادية الوسائل في ضوء تطورات البحث العلمي، وكان آخرها الوسائل الرقميّة مثل النماذج الرياضية والبيانات الضّخمة، والوسائل الحاسوبية مثل الذكاء الاصطناعي الذي بات يُعدّ من أشدّ المخاطر التي تُهدِّد البشرية إلى أبعد من مسألة احترام الخصوصية الفردية التي تطرحها بعض المؤلفات الصادرة مؤخراً عن أخلاقيات العالم الرقمي (Davisson and Booth, 2016).
وقد تنبه بعض الباحثين في الاقتصاد الإسلامي منذ أكثر من عقد ونصف إلى عدم حيادية المنشآت التي انبثقت عن النظام الرأسمالي، حينما أشار إلى أنّ الفائدة هي روح المصرف، “ومن الصعب أسلمته، ومن يتجاهل هذا فإنّه يكسب زمناً، ولكنه في نهاية المطاف لا بد من أن يصطدم بها، ولو بعد حين” (المصري، 1998: 61).
إنّ إدراج مادة فقه أو أخلاقيات الوسائل لا تقل أهمية -في تقديري- عن مادة المقاصد التي كثر الحديث عنها في العقد الأخير، فهي توسع أفق الطلاب وتجنبهم الدخول في متاهات هم في غنى عنها، للتفرغ لما هو أهم قبل التطرّق إلى المهم: العناية بالأسس والتأصيل قبل الفروع والتمثيل.
والمغزى من البحث في فقه أو أخلاقيات الوسائل هو تحديد المسؤوليات لكي لا يتسنى التملص من التوريطات والخروج منها كما تخرج الشعرة من العجين. فإذا أنشأنا بنوكاً وقفية وفق نموذج البنوك التجارية -كما ينادي بذلك المؤلف وغيره-، وحصلت أزمة مالية عالمية في المستقبل، من يتحمل مسؤولية ضياع أموال الأمة وحقوق المستفيدين ؟ الذين نادوا بالفكرة ؟ أم الذين وصفوها بالابتكار ؟ أم الذين جسدوها على أرض الواقع ؟ أم هيئات الرقابة الشرعية ؟ أم الذين أوقفوا نقودهم ؟ أم البنوك المركزية التي أجازت قيامها ؟ أم الذين تسببوا في إحداث الأزمة ؟ لهذا السبب هناك ارتباط وثيق بين دراسة فقه أو أخلاقيات الوسائل والبُعد الاستشرافي والاستراتيجي من خلال طرح سيناريوهات عديدة لإعداد خطط بديلة تصلح لمواجهة الحالات الطارئة.
إذا أمعنا النظر في تاريخ المجتمعات المسلمة يتجلى لنا أنّ الأصول الوقفية مرت بمراحل عصيبة بسبب سوء الإدارة والإهمال والاختلاس، لكنها لم تتبخر بين عشية وضحاها كما حدث للأموال التي استثمرت في البنوك من جراء الأزمات المالية.
هذه الملاحظات التي تحمل في غالبيتها طابعاً منهجياً لا تُقلِّل من أهمية الكتاب الذي يبقى اجتهاداً مفتوحاً للقبول والرفض، ولا من جهد مؤلفه، وهو من زملائي الباحثين في مجال الاقتصاد الإسلامي الذين أجلهم وأعتز بهم منذ أن تعرفت عليه في المؤتمر العالمي السابع للاقتصاد الإسلامي(2)، ولكن النصح للأمة فوق كل هذه الاعتبارات.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ونكون على قدر المسؤولية لتنوير المجتمعات المسلمة كل بحسب تخصصه وما تيسر له الوقوف عليه من معارف نافعة ومهارات متجددة، مع قناعتنا أنّ آراءنا هي مجرّد اجتهادات تحتمل الخطأ، وأنّ تنوع الآراء من سمات المجتمعات الحيّة التي تغذي الفكر، وتشحذ الهم، وتقوي العزائم، لكي يبدأ الجيل الجديد من حيث انتهى من سبقه، ونتفادى تكرار الأخطاء نفسها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحواشي:

(1) مع العلم أنّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(2) تجدد التواصل بيننا في الأسابيع الأخيرة بعد أن كتبت بعض التعليقات عن البنك الوقفي في صفحتي على المنصة الرقمية للبحث العلمي “أكاديميا”، وأخبرته بأنني سوف أقوم بعرض وتحليل جوانب من كتابه، لعله يستفيد منها في طبعة قادمة.

* الدكتور عبد الرزاق بلعباس باحث بمعهد الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، وعضو المجموعة البحثية في التمويل الإسلامي بجامعة ستراسبورغ الفرنسية؛ البريد الإلكتروني: abelabes@kau.edu.sa

المصدر: موقع وقفنا ـ 24/ 2/ 1438 = 24/ 11/ 2016

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى