كتب

نظام الوقف الإسلامي


الفصل الأول

الوقف : حقيقته ومشروعيته وحكمته

1. نشأة الوقف وتطوره (نبذة تاريخية)

عرف الناس منذ القدم، على اختلاف أديانهم وأجناسهم أشكالا من المعاملات المالية الطوعية التي لاتخرج في طبيعتها وصورها عن طبيعة الوقف، وذلك في شكل عقارات تحبس لتكون أماكن للعبادة، أو لتكون منافعها وقفا على تلك الأماكن، فكان ذلك معروفاً عند المصريين القدماء وعند الرومان والإغريق وغيرهم.

2. اتساع أغراض الوقف في الإسلام

لم يكن الوقف معروفاً لدى العرب قبل الإسلام، قال الامام الشافعي: >لم يحبس أهل الجاهلية ـ فيما علمته داراً ولاأرضاً، ولماجاء الإسلام شرع الوقف ووسع دائرته، فلم يجعله مقصورا على المعابد والمناسك بل وسعه ليشمل كثيرًا من أنواع الصدقات ـ  والتبرعات التي ترصد لأغراض دينية واجتماعية وعلمية واقتصادية. فكانت الأوقاف على المساجد وما يتعلق بصيانتها ووظائفها، وعلى المدارس ودور التعليم والمكتبات والزوايا والعلماء وطلاب العلم، وعلى الفقراء، المحتاجين، واتسعت أكثر فأكثر فشملت المستشفيات والصيدليات، ودور الرعاية الاجتماعية وتزويج المحتاجين من الفتيان والفتيات، وإجراء الأنهار وحفر الآبار، وإقامة الأربطة والحصون وإيجاد السلاح والعتاد لحماية دار الإسلام والدفاع عن مواطنيها، وتقديم المال لافتداء الأسرى وتحرير العبيد. وبهذا التوسع كان للوقف فضل كبير وتأثير حميد في بناء الحضارة الإسلامية وإرساء أسسها على التكامل والتضامن والتعاون والتآخي.

أول وقف في الإسلام

أول وقف في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم حين قدومه إلى المدينة مهاجراً. ثم المسجد النبوي الذي بناه صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد أن استقر به المقام.

وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف سبع بساتين بالمدينة، كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، أوصى بها إلى النبيصلى الله عليه و سلم  ، حين عزم على القتال مع المسلمين في غزوة أحد، قال في وصيته: “إن أصبت ـ أي قتلت، فأموالي لمحمد ـ يضعها حيث أراه الله، فقتل، وحاز النبي صلى الله عليه وسلم تلك البساتين السبعة، فتصدق بها، أي حبسها.

ومضى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ على ما سنه النبي صلى الله عليه و سلم ، وعملوا بماحث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في التطوع بأحب أموالهم إليهم.

من تلك الأمثلة وقف عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وقيل هو ثاني وقف في الإسلام، ففي الحديث أنه أصاب أرضاً بخيبر، فجاء إلى النبيصلى الله عليه و سلم  ، وقال: يا رسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فبم تأمرني؟ فقال: >إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها<. فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث، وتكون (أي منافعها وثمارها) في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، ولاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول. ثم تتابعت الأوقاف بعد ذلك في أوجه البر والخير.

وفي العصر الأموي حدث تطور كبير في إدارة الأوقاف، فبعد أن كان الواقفون يقومون بأنفسهم على أوقافهم ويشرفون على رعايتها وإدارتها، قامت الدولة الأموية بإنشاء هيئات خاصة للإشراف عليها، وأحدث ديوان مستقل لتسجيلها.

وفي عهد العباسيين أصبحت للأوقاف إدارة خاصة مستقلة عن القضاء، يقوم عليها رئيس يسمى >صدر الوقوف< وواكب هذا التطور الإداري جهد علمي مفيد، لضبط أحكام الوقف وطرق التصرف فيه ولحماية أملاكه من الضياع، فخصه الفقهاء بمؤلفات خاصة، وأفردوا له فصولا واسعة في مدونات الفقــه الكبرى. وهذا التطور والتوسع في العناية بالأوقاف أدى إلى قيام الوقف بدور كبير في التنمية الاجتماعية على مر التاريخ الإسلامي.

حقيقة الوقف

الوقف في اللغة: هو الحبس والمنع، وهو مصدر وقف الثلاثي، يقال وقفت الدار،أي حبستها، ولايقال أوقفتها، لأنها لغة رديئة، ويقال للشيء الموقوف: وقف من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول.

5. الوقف في الاصطلاح الشرعي

تعددت عبارات الفقهاء في تعريفه بناء على اختلاف آرائهم في لزومه، وتأبيده، وملكيته.

عرفه الإمام أبو حنيفة بقوله: ” هو حبس العين على حكم ملك الواقف، وتسجيل منفعتها على جهة من جهات البر< ، وعبارة الإمام هنا تدل على أنه يرى أن ملكية العين الموقوفة تبقى في يد الواقف. وعرفه بعض المالكية بقوله: هو جعل المالك منفعة مملوكه، ولوكان مملوكا بأجرة، أو جعل غلته كدراهم، لمستحق، بصيغة مدة مايراه المحبس”.

وعبارة هذا التعريف تفيد أن المالكية يذهبون إلى بقاء ملكية الوقف في يد الواقف كالأحناف. ويضيفون عنصراًً آخر هو أن للواقف أن يحبس ماله مدة زمنية يعينها.ومعنى ذلك أنهم لايوجبون أن يكون الوقف على التأبيد. وعرفه بعض الحنابلة بقوله: هو “تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة”.

وعرفه بعض الشافعية بقوله :>هو حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه، على مصرف مباح<.

وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات وجدنا أنها متقاربة. بالنظر إلى جوهر حقيقة الوقف، وهي تحبيس العين على وجه من وجوه الخير، ومنع التصرف فيها من قبل المالك، ومن قبل الموقوف عليه معا. وإنما تستفيد الجهة أو الجهات الموقوف عليها من منافعها. وإنما اختلفت تعريفات الفقهاء تبعاً لاختلافهم في بعض الأحكام والتفريعات الجزئية.

واختار بعض الفقهاء المحدثين تعريف الوقف بقوله:>هو حبس العين على ملك الله تعالى، والتصدق بمنفعتها على جهة من جهات البر ابتداء أو انتهاء<(3). وإنما ذكرت هذا التعريف لأنه صرح بأن الوقف يكون على ملكية الله تعالى، وأعتقد أن هذا الرأي وجيه، لأنه ينسجم مع حقيقة الملكية في الإسلام، فالمالك الحقيقي للمال في الاسلام، هو الله تعالى، وأما ملكية العباد فهي مجازية، ووقف المال في سبيل الله يعني، أن الواقف يرد ملكيته إلى المالك الحقيقي، ويجعل منافعه في سبيل الله، لايباع ولايوهب ولايورث.

مشروعية الوقف

تستند مشروعية الوقف إلى الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فيدل على مشروعيته بعموم قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. وقد بادر بعض الصحابة إلى التصدق بأحب أمواله إليه، عند نزول هذه الآية. روى البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك قال: “كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة نخلاًً، وكان أحب أمواله إليه  بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله   صلى الله عليه و سلم   ، يدخلها  ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت >لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبونلن تنالوا البر…الآية، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يارسول الله حيث أراك الله<، فقال صلى الله عليه وسلم: إجعلها (أي ريعها) في قرابتك.

وأما السنة النبوية فقد وردت أحاديث كثيرة تدل على مشروعية الوقف منها:

أ) مارواه أبو هريرة، رضي الله عنه أن النبي  صلى الله عليه و سلم   ، قال:>إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له<. ويفصل معنى الصدقة الجارية ماورد في سنن ابن ماجة، يقول النبي  صلى الله عليه و سلم   ، “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أوولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته”.

ب) وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قدم النبي   صلى الله عليه و سلم   ، المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: “من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة”، قال عثمان:”فاشتريتها من صلب مالي<، ومعنى الحديث أن عثمان اشترى البئر وجعلها وقفاً على المسلمين.

ج) روى أبو هريرة، رضي الله عنه أن خالد بن الوليد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله.

د) مارواه البيهقي من أن عدداً من الصحابة تصدقوا بدورهم ومساكنهم، وجعلوها وقفاً في سبيل الله أو على ذريتهم.

وثبت عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنهم وقفوامن أموالهم، واشتهر ذلك عنهم، فلم ينكره أحد، فكان إجماعاًً على مشروعية الوقف.

ويكون الوقف باطلا غير مشروع إذا قصد به الواقف مضارة ورثته، كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم، لأن ذلك مما لم يأذن به الله سبحانه، بل إنه تعالى نهى عن الضرر والضرار، قال رسول الله   صلى الله عليه و سلم   ، لاضر ولاضرار<.

حكمة مشروعيته

أما الحكمة من مشروعيته فهي، بعبارة مجملة، إيجاد موارد مالية ثابتة ودائمة لتلبية حاجات المجتمع الدينية والتربوية والغذائية والاقتصادية والصحية والأمنية، ولتقوية شبكة العلاقات الاجتماعية، وترسيخ قيم التضامن والتكافل، والإحساس بالأخوة والمحبة بين طبقات المجتمع وأبنائه، كل ذلك لنيل مرضاة الله.

وإذا أمعنا النظر في صور الوقف التي تمت في العهدين النبوي والراشدي أمكن أن نتبين جلياً مقاصد الوقف ومراميه الإنسانية والاجتماعية على النحو الآتي:

أ) تحقيق الأمن الغذائي للمجتمع المسلم. ويتضح ذلك في تصدق أبي طلحة بنخيله  وجعل ثمارها للفقراء من أهل قرابته، وفي البئر التي وقفها عثمان رضي الله عنه على عامة المسلمين.

ب) إعداد القوة والوسائل الضرورية لجعل الأمة قادرة على حماية نفسها والدفاع عن دينها وعقيدتها. ويتضح هذا من وقف خالد بن الوليد سلاحه في سبيل الله.

ج) نشر الدعوة إلى الله وإقامة المساجد لتيسير إقامة شعائر الدين وتعليم أبناء المسلمين. ويتضح هذا من تأسيس مسجد قباء والمسجد النبوي وجعلهما مركزين للعبادة والتعليم وتنظيم العمل الاجتماعي.

د) توفير السكن لأفراد المجتمع. ويتضح ذلك من أوقاف عدد من الصحابة التي تمثلت في الدور والمساكن التي حبست على الضيف وابن السبيل أو على الذرية.

هـ) نشر روح التعاون والتكافل والتآخي التي تجعل المجتمع كالبنيان المرصوص يشد  بعضه بعضاً.

و) إيجاد مصادر قارة لتمويل حاجات المجتمع، و إمداد المصالح العامة والمؤسسات الاجتماعية بما يلزمها من الوسائل للاستمرار في أداء رسالتها. وذلك لأن الموارد التي قد تأتي من الزكاة أو الهبات ليست قارة، أما الوقف فإن أصوله وأعيانه تبقى أبدا،إلا في حالات خاصة، ولذلك فمنافعه لاتنقطع.

فقه الوقف

جرت عادة الفقهاء أن يتحدثوا بالتفصيل عن أركان الوقف وشروطه وأنواعه، ونشرت في العصر الحاضر بحوث فقهية وافية عرضت هذه المسائل بتوسع، وفصلت آراء الفقهاء فيها بما لايترك حاجة إلى إعادة القول فيها، ولكن الهدف المرسوم لدراستنا هذه لايسمح بالدخول في تفصيلاتها، إذ إننا توخينا الإيجاز.

ولذلك سأقتصر هنا على التذكير بأن الناظر في اجتهادات الفقهاء والباحثين في هذه المسائل، يخلص إلى أن فقه الوقف مبني في مجمله على ثلاثة أسس كبرى، وأن هذه الأسس أوجدت نوعاً من الحماية الشرعية لأموال الوقف ومؤسساته من أطماع الطامعين، وهي:

أ) احترام شرط الواقف وإرادته:

وعن هذا الاحترام أو الالتزام نشأت القاعدة الفقهية التي تقول: >شَرْطُ الَوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّاِرعِ< يعني أنه لايجوز تغييره أو انتهاكه. وبإقرار هذه القاعدة توفرت للأوقاف ومؤسساتها، على مر العصور، حماية قوية أسهمت في ضمان بقائها واستمرار عطائها.

ب) اختصاص القضاء بالولاية على الأوقاف:

قرر الفقهاءأن الولاية العامة على الأوقاف من اختصاص القضاء وحده، لأنه أكثر الجهات استقلالاً وقدرة على منع الظلم وانتهاك المصالح الشرعية.

وظلت الأوقاف تحت هذه الولاية المستقلة إلى بدايات العصر الحديث، فبدأ إخراجها تدريجياً من ولاية القضاء في سياق التحولات التي حدثت في مجالي التشريع والقضاء، وفي إطار تنظيم مؤسسات وإدارات الدولة الحديثة. وأدت تلك التحولات إلى تراجع فقه الوقف وانحسار دوره في التنمية الاجتماعية، وإلى إدماجه في الجهاز الإداري الرسمي.

ج) معاملة الوقف على أنه شخص اعتباري:

يستفاد من أحكام الفقه وتفريعاته في جميع المذاهب الفقهية ـ مع وجود بعض الاختلاف ـ أن الوقف يعتبر محلاً لتحمل الالتزامات متى انعقد بإرادة صحيحة واستوفى أركانه وشروطه، فتصير له أهلية وذمة مستقلة. ولذلك قرر الفقهاء ثبوت حق التقاضي للوقف نفسه، فَيُحْكَمُ له ويُحْكَمُ عليه، وقرروا وجوب الزكاة في غلته، وصحة الاستدانة على ذمته من أجل إصلاح أعيانه، ومعنى هذا أن الفقهاء جعلوا للوقف شخصية اعتبارية مستقلة بالمعنى القانوني المتداول.

تلك هي الأسس العريضة للوقف، ومن فوائدها أنها توفر الحماية لأموال الوقف، وتسهل عمليات استثمارها وتنميتها وتكثير عائداتها ومنافعها.

وقد بذل العلماء منذ القدم، جهوداً كبيرة في ضبط أحكام الأوقاف، واجتهدوا في جعلها مناسبة لأوضاعهم. وفي العصر الحديث بدأت حركة نشطة وجهود حثيثة لإصلاح نظام الوقف وإبراز أبعاده وتحسين طرق استثمار أمواله، وفي الفصول اللاحقة سنحاول عرض هذه الجهود وتحليل نتائجها، بعون الله وتوفيقه

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى