كتب

نظام الوقف الإسلامي


الفصل الثالث

الأبعاد الدينية والاجتماعية للوقف

نظام الوقف من النظم الدينية التي أصبحت في ظل الإسلام مؤسسة عظمى لها أبعاد متشعبة دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية، كانت هذه المؤسسة في ظل الحضارة الإسلامية تجسيداً حياً للسماحة والعطاء والتضامن والتكافل، غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية. ولايقدِّر دور هذه المؤسسة العظيمة وأبعادها الواسعة إلا من اطلع على تاريخها وآثارها الاجتماعية والحضارية.

والحقيقة أن أبعاد الوقف وأغراضه متداخلة يصعب التمييز فيها بين ما هو ديني وما هو علمي وما هو صحي واجتماعي، وإنما ميزنا بين هذه الأبعاد مراعاة لمقاصد الواقفين وشروطهم، فما كان لبناء المساجد والدعوة إلى الله والجهاد وإقامة شعائر الإسلام أضفناه إلى البعد الديني، وما كان لإنشاء المدارس ورعايتها والإنفاق على العلماء وطلبة العلم أدرجناه في البعد العلمي، وما كان لإنشاء المستشفيات والإنفاق عليها وعلى المرضى وعلى الأطباء والأدوية أدرجناه في البعد الصحي، وهكذا.

البعد الديني للوقف

البعد الأصلي الذي انبنى عليه الوقف هو التقرب إلى الله وابتغاء مرضاته عن طريق أعمال اجتماعية يؤديها المسلم، يعود نفعها على المحتاجين من عباد الله، وبعبارة الحديث النبوي البليغة، عن طريق صدقة جارية يدوم نفعها وفضلها للعباد، ويدوم أجرها وحسناتها للمتصدق. والبعد الديني يشمل إقامة شعائر الإسلام، وبناء المساجد، ونشر الدعوة، والجهاد، وإحياء المواسم الدينية.

فضل الوقف في إقامة شعائر الإسلام

أول ما يطالعنا من مظاهر البعد الديني للوقف في واقع الحياة الدينية هو بناء المساجد وعمارتها وإعدادها لأداء وظائفها المختلفة، ولم تكن المساجد في ظل الحضارة الإسلامية بيوتاًً لإقامة الصلاة فحسب، بل كانت إلى جانب ذلك منارات لنشر الإسلام، ومراكز للتربية والتعليم، ومعيناً للفضائل. وبفضل الأوقاف أقيمت المساجد والجوامع في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وبفضلها ظلت تؤدي رسالتها الدينية من غير انقطاع على امتداد تاريخ الإسلام، بعيداً عن الاضطرابات والتقلبات الاجتماعية والاقتصادية.

والمسجد مؤسسة دينية تشمل عدداً من الوظائف والمرافق، تحتاج إلى مورد دائم لدعمها ومدها بالعون اللازم والكافي لوجودها واستمرارها، وأهم تلك الوظائف الإمامة والأذان والصيانة والنظافة والتربية والتعليم والخطابة والوعظ والإرشاد وقراءة القرآن وتعليم أبناء المسلمين، وكل هذه الوظائف دامت واتصلت بفصل الوقف.

ومن المرافق الهامة التي ترتبط بالمسجد محلات الطهارة والوضوء، وتحتاج بدورها إلى دعم متصل لتزويدها بالماء الطاهر وتنظيفها وإصلاحها، وكان الوقف ومايزال المورد الأساس لهذا الدعم، وبفضله تيسر للمسلمين أن يجدوا الماء الطاهر الصالح للطهارة بجانب المسجد متاحاً بدون  انقطاع في جميع الأوقات. وبتيسير وسائل الطهارة وأماكنها يَسََّرَ الوقف إقامة شعائر الإسلام وعمارة المساجد، وهناك مرافق أخرى كالإنارة والتدفئة أو التبريد.

المسجد وبناء الإنسان

إن بناء الإنسان الصالح وتهذيب أخلاقه وإعداده إعداداً تربوياً فاضلا من أهم مقاصد الإسلام، ومن هنا ركز الدين على بناء الفرد بناءً صحيحاً ليضمن سلامة المجتمع. والمسجد هو المدرسة الشعبية المفتوحة على الدوام لكافة المسلمين على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم، منها يتعلمون مبادئ القراءة والكتابة، وفيها يتلقون مبادئ الأخلاق والتربية، وفيها يحفظون كتاب الله ويجلسون إلى حلقات الدروس الدينية والوعظ والإرشاد، وفيها يجتمعون للعبادة والذكر…إلخ.

من هنا كان المسجد منارة لنشر المعرفة، ومركزاً لتهذيب الأخلاق وتقويم السلوك ونشر الفضيلة، وتزكية النفوس، وكان محور الحياة اليومية للمسـلمين، يقصدونه للاجتماع والعبادة خمس مرات في اليوم على الأقل، وبهذه اللقاءات اليومية المتقاربة تتكون الجماعة الإسلامية المتماسكة، وتنشأ الروابط المتينة بين أفرادها، ويندمجون في العمل الاجتماعي المثمر ويتمرنون على روح الإيثار والاهتمام بالآخرين، ويتعاونون على المصالح العامة.

وبهذا تكفلت المساجد ـ على مر التاريخ الإسلامي ـ بإعداد النماذج الإنسانية العالية في الإيمان والعلم والآداب والسلوك الحميد والأخلاق الفاضلة، وأسهمت، وماتزال تسهم، في بناء الإنسان الصالح الذي يصلح ولايفسد، ويبني ولايهدم وينفع ولايضر. ولهذا فإن المسجد يستحق العناية التامة والدعم الكامل ليتمكن من الاستمرار في أداء وظائفه الدينية والتربوية والاجتماعية، وإلا فسيعم الفساد وتضعف الأخلاق ويكثر الإجرام.

الوقف والجهاد في سبيل الله

يعد الجهاد من أفضل الأعمال والقربات التي حث عليها الإسلام، ومن الآثار الصحيحة التي تؤكد ربط الوقف بهذه الفريضة منذ بداية الإسلام، ماروى أن خالد بن الوليد حبس دروعه وأكراعه في سبيل الله. ويؤكد أهمية الوقف على الجهاد والدعوة إلى الإسلام، ما ذهب إليه الفقهاء من أن الأوقاف التي تكون في الثغور البرية والبحرية، دون أن يحدد لها واقفها مصرفاً معيناً، تكون مخصصة للجهاد.

ولا شك في أن الرباطات الكثيرة التي كانت تنتشر على ثغور البلاد الإسلامية في القديم كانت تعتمد على الأوقاف، وكان الرباط مؤسسة تجمع بين وظائف التربية الدينية، وتأهيل المجاهدين وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام، وكانت تلحق بها أجنحة لصناعة الأسلحة. والأوقاف هي مورد من الموارد الهامة للنفقات الضرورية لكل هذه الوظائف.

ومن المسائل المرتبطة بالجهاد، فك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء، وقد سجل تاريخ الإسلام أوقافاً كانت مخصصة لهذا الغرض، ولعل أشهرها وقف صلاح الدين الأيوبي الذي كان ببلده بلبيس.

وبفضل ما تدره الأوقاف من أموال سخية على الرباطات والمجاهدين قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين.

لقد كانت الأمة بفضل مؤسساتها المدنية المستقلة كالمساجد والجوامع والرباطات والزوايا، تقاوم المعتدي وترده على أعقابه، ولم تنهزم الأمة قط إلا بعد أن تقلص دور تلك المؤسسات المدنية.

الوقف والمواسم الدينية

تعتبر المواسم والأعياد الإسلامية شعائر تعبدية، فضّلها الله تعالى على غيرها وأمر بإحيائها وإقامتها إظهاراً لشعائر الإسلام وحمداً لفضل الله وابتغاء لمرضاته. ومن هذه المواسم شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عاشوراء.

وحرصاً على إقامة هذه الشعائر، ورغبة في التعرض لنفحاتها وكرامتها، وقف المسلمون أوقافاً خاصة بها، وشرطوا أن تخصص لإحيائها، وأن يصرف ريعها على المحتاجين للتفريج عنهم وإدخال السرور على أنفسهم وإشعارهم برعاية الإسلام لجميع فئات المجتمع.

ولا تزال سجلات الأوقاف تحفظ نصوص الوثائق الوقفية التي شرط فيها الواقفون أن تصرف في هذه المواسم خاصة، هناك وثائق نصت على أن يصرف الوقف كل سنة في يوم عاشوراء في شكل إعانات ومواد غذائية، توزع على طلبة العلم والأيتام ومؤدبيهم، وعلى الفقراء والمساكين.

وهناك وثائق أخرى نصت على أن يصرف من ريع الوقف مقادير من الطعام في كل يوم من أيام رمضان على الفقراء والمساكين وطلاب العلم.

وقد مولت الأوقاف موائد الإفطار والسحور للصائمين  من الفقراء والغرباء، ووضعت بذلك الأساس لِسُنَّةٍ حسنة لاتزال حية في بعض البلاد الإسلامية تحت شعار>موائد الرحمان<، كما هو معروف في مصر مثلاً.

وهناك وثائق سجلت أوقافاً خاصة لتقديم المساعدة للمستحقين في أيام العيد، شرط فيها الواقفون أن تصرف في شراء كميات من المواد واللوازم الخاصة بالعيد وتوزع على المحتاجين، ويشترى من ريعها في عيد الأضحى، مثلا، كميات من اللحوم أو عدداً من الأغنام تذبح وتوزع لحومها.

هناك أوقاف أخرى يتجلى فيها هذا البعد الديني كتلك التي كانت مخصصة للحرمين الشريفين، والزوايا، وأهل التصوف ونسخ المصاحف وقراءة القرآن، ولايتسع المجال هنا للحديث عنها.

البعد العلمي والثقافي للوقف

كان للوقف فضل كبير في إنشاء المدارس والمراكز العلمية والمكتبات في سائر بلاد الإسلام، وفي بقائها واستمرارها على مَرّ العصور، فلا تكاد تجد مدرسة ولامكتبة إلا ولها أوقاف خاصة يصرف ريعها في الإنفاق عليها.

وجل الدراسات الحديثة التي تناولت الحضارة. والحياة العلمية في الدولة الإسلامية،  والوقف وفضله في التنمية الاجتماعية، أوضحت أن أموال الوقف أسهمت بنصيب وافر في تنمية التعليم وازدهار الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، وأن هذه الأموال كانت المورد الأساس للمدارس العلمية، فقد اعتمدت دور التعليم على الوقف اعتماداً كلياً في نفقاتها وحاجاتها،إذ لم يكن في الدولة الإسلامية  في الماضي ديوان أو وزارة للتعليم.

وإذا أردنا أن نقف على فضل الوقف ودوره الكبير في رفد الحركة العلمية في الحضارة الإسلامية، فََسَنُقََابَلُ بعدد هائل من المدارس والمراكز العلمية والمكتبات في سائر البلاد الإسلامية، لهذا سنقتصر منها على القدر الكافي لإبراز البعد العلمي والثقافي لهذه المؤسسة الحيوية.

الوقف على المدارس

قبل الدخول في بيان فضل الوقف في إنشاء المدارس العلمية والمكتبات ورعايتها، يجب أن نعطي فكرة موجزة عن مكانة الوقف على التعليم عند الفقهاء الذين بلغ بهم تعظيم هذا النوع من الوقف وحرصهم على بقائه واستمراره وحمايته، أن حََََّرُموا إلغاءه ووقفوا في وجه من سولت له نفسه ذلك.

وقف عدد من كبار العلماء في وجه بعض سلاطين المماليك عندما أرادوا إنهاء الأوقاف جملة، وضمها إلى أملاكهم.أورد جلال الدين السيوطي موقف الشيخ سراج الدين البلقيني حين استشاره أحد أولئك السلاطين في إنهاء الأوقاف فَحََرَّمَ الشََيْخُ إنهاء ما كان منها مخصصاً للمدارس والعلماء وطلبة العلم، وأباح إنهاء ماكان منها مخصصاً لأفراد من عائلات السلاطين السابقين.

ومن العلماء الذين وقفوا في وجه أولئك السلاطين، حمايةً للوقف على التعليم: العز بن عبد السلام، ويحيى بن شرف النووي، وابن دقيق العيد، وأمين الدين الأقصرائي.

وقرر الفقهاء أن الوقف على التعليم يستوي في الاستفادة منه الكبير والصغير والغني والفقير، فهو لكل من طلب العلم، ولكنهم لم يجوزوا أن يخصص للأغنياء وحدهم، فإذا كان عاماً ولم يقيد بشرط جاز الانتفاع به للجميع دون تمييز.

وبفضل الوقف شُيِّدَتْ المدارس والمعاهد في العالم الإسلامي من أدناه إلى أقصاه، ويذْكِّر التاريخ بكثير من الإكبار والإعجاب بطائفة من أفراد المسلمين، كانت لهم اليد الطولى في إنشاء مدارس علمية كبرى في سائر الأمصار. روى الرحالة الشهير ابن جبير، أنه شاهد في بغداد نحو ثلاثين مدرسة، كل واحدة منها في قصر وبناية كبيرة، أشهرها وأكبرها المدرسة النظامية. ولهذه المدارس أوقاف وعقارات للإنفاق عليها وعلى العلماء والدارسين فيها، وكان وقف نظامية بغداد خمسة عشر ألف دينار شهرياً، وتخرج منها أكابر العلماء.

وفي القرن السادس، مثلا، نجد المدارس الموقوفة الخاصة بأبناء الفقراء والأيتام  واللقطاء قد انتشرت في بلاد الإسلام، وقد تحدث ابن جبير عما شاهده من هذه المدارس في القاهرة ودمشق وغيرها.

ويذكر التاريخ فضل صلاح الدين الأيوبي في إنشاء المدارس العلمية في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه، في مصر ودمشق والموصل وبيت المقدس. وفضل نورا الشهيد الذي أنشأ في سوريا أربعة عشر معهداً، منها ستة في دمشق وحدها.

ويعطي ابن خلدون أمثلة على ما كان في بغداد وقرطبة والكوفة والبصرة والقيروان وفاس من مراكز علمية، ويتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي وازدهار المدارس، ويؤكد أن الذي ساعد على ذلك هو ما حدث في القرنين اللذين سبقا زمانه، وبخاصة زمن صلاح الدين الأيوبي الذي وقف أراضٍ زراعية وبيوتاً وحوانيت على المدارس، ثم ما وقفه من بعده أمراء المماليك من أموال على المدارس العلمية، فازدهرت واجتذبت العلماء وطلاب العلم من البلاد الإسلامية شرقاًَ وغربا.

وبمطالعة تاريخ المدارس العلمية في العالم الإسلامي يتأكد فضل الأوقاف في ازدهار الحياة العلمية، ويظهر أنه ماكان للمدرسة أن تقوم بدورها في البلاد الإسلامية لولا الأوقاف. ويشهد على ذلك أن عدداً من المدارس التي لم تكن لها أوقاف كافية لم تستطع أن تستمر في مزاولة نشاطها، ولم تلبت أن تعطلت وتهدمت.

ومن هذه الشهادة يتضح جلياً أن الحركة العلمية الواسعة التي شهدتها الأمصار الإسلامية إنما هي ثمرة من ثمرات ازدهار الأوقاف وكثرتها.

ولم يقتصر تأثير الوقف وفضله على رفد المدارس وإمدادها بالموارد المالية الضرورية لسد حاجاتها، ولكن امتد إلى التوجيه التربوي، إذ كان يتدخل في توجيه العملية التعليمية، وفي تعيين العلوم والفنون التي يجب أن تدرس، وفي المقاييس والمؤهلات العلمية التي يجب أن يتوفر عليها العالم الذي يتولى التدريس.

وتعتبر الوثائق الوقفية، التي تنص على شروط الواقفين المتعلقة بهذا التوجيه التربوي بمثابة جداول تربوية، تنظم شؤون التعليم وتضع الأسس والشروط التي يجب أن يقوم عليها.

وهناك أوقاف خاصة للكراسي العلمية التي تخصص لتدريس بعض العلوم، كالفقه والحديث والتفسير والسيرة والقراءات القرآنية، وذكر عبد الهادي التازي أن الكراسي العلمية التي كانت مدعمة بالوقف في جامع القرويين بفاس بلغت ثمانية عشر كرسياً.

الوقف على المكتبات

من أهم المظاهر التي يتجلى فيها البعد العلمي للوقف إنشاء المكتبات ورعايتها وتزويدها بالكتب. والوقف على المكتبات وفتح أبوابها في وجه طلاب العلم، يعكس حب المسلمين للعلم، وحرصهم على نشره بين الناس، وتقديرهم البالغ لأهله وطلابه. وبفضل هذا الحب الذي غرسه الإسلام في أهله أقبل الناس على وقف الكتب وإنشاء المكتبات العامة والخاصة، وإن وقف المكتبات والكتب كان من مفاخر الحضارة الإسلامية ومآثرها التي فاقت بها سائر الحضارات. ولقد اتخذت هذه المكتبات أسماء متعددة مثل خزانة الكتب، وبيت الكتب، ودار الكتب، ودار العلم، وبيت الحكمة.

ولم يكن الخلفاء والأمراء والوزراء هم وحدهم الواقفون للمكتبات في سبيل الله، بل كان إلى جانبهم العلماء والأغنياء من أصحاب الأيادي البيضاء الذين يمارسون تلك الفضيلة، من أمثال علي بن يحيى بن المنجم الذي أنشأ مكتبة  في سبيل الله، وخصص لها وقفاً للإنفاق على من يفد عليها. ونصت وثيقة وقفها على أن من يفد إليها يحق له الإقامة، وأخذ نفقته من الوقف المرصود لها.

واقترح علي بن يحيى بن المنجم على ابن خاقان وزير المتوكل العباسي أن يقف من ثروته لإنشاء مكتبة في سامراء يوقفها على طلبة العلم، فعمل بنصيحته، وجلب لها الكثير من الكتب التي نسخت من مكتبات بغداد.

ويذكر لنا ابن جبير في رحلته إلى مصر ما يدل على مبلغ إعجابه بمكتباتها يقول: >ومن مناقب هذا البلد (أي مصر)، ومفاخره أن الأماكن في هذه المكتبات قد خصصت لأهل العلم فيهم، فهم يفدون من أقطار نائية فيلقى كل واحد منهم مأوى يأوي إليه ومالاً يصلح به أحواله. وبلغ من عناية السلطان بهؤلاء الذين يفدون للاستفادة العلمية، أن أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها، وخصص لهم مستشفى لعلاج من مرض منهم، وخصص لهم أطباء يزورونهم وهم في مجالسهم العلمية، وخصص لهم الخدم لقضاء حاجاتهم.

وحوت المكتبة التي أوقفها ابن مليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة، وقاعات خاصة للمحاضرات والمناظرات، وقاعة خاصة لتوجيه الباحثين والناشئين. وأعطيت من ريع وقفها مرتبات لطلبة العلم والعلماء والقائمين عليها.

ومن المكتبات الوقفية المشهورة في تاريخ المسلمين، المكتبة التي بناها ووقفها بنو عََمَّار في طرابلس الشام، كانت آية في السعة والضخامة، ويقال إنها اشتملت على مليون كتاب.

وانتشرت مكتبات الوقف في الأندلس والمغرب على مَرِّ التاريخ، ومن الطرائف التي تشهد على ذلك ما ذكره المقري في >نفح الطيبالله يرزقك عقلا تعيش به. أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني درهماً ما وجدت ذلك<.

كما انتشرت ظاهرة وقف الكتب في المغرب على مر العصور، وجرت العادة أن تسلم للخزانات العامة، لتوضع تحت تصرف طلاب العلم والعلماء.

وبفضل وقف الكتب والمكتبات انتشرت الثقافة في العالم الإسلامي وشملت جميع طبقات الناس، فقد كان نظام المكتبات يشجع الناس على الإقبال عليها لما يجدونه من العناية والنفقة السخية والإقامة المريحة، فينكبون على القراءة والنسخ والمطالعة، لايزعجهم هََمٌّ، ولايشغلهم خوف، كل هذا بفضل الخير العميم الذي فاض على المجتمع الإسلامي من مؤسسة الوقف العامرة.

البعد الصحي والاجتماعي

جل الباحثين والمفكرين المحدثين الذين أسهموا في الندوات والحلقات الدراسية والمناقشات التي دارت حول نظام الوقف ودوره الحضاري والاجتماعي، وطرق النهوض به، وتطويرآفاق عمله، جل هؤلاء تحدثوا بإعجاب عن الفضل الكبير الذي كان للوقف، على مَرِّ تاريخ الحضارة الإسلامية، في مجالات الرعاية الصحية والخدمة الاجتماعية.

لقد أظهرت جهود أولئك الباحثين، بعد الاطلاع على الوثائق الوقفية وكتب التاريخ والرحلات، أن كثيراً من مراكز الرعاية الصحية والمستشفيات التي انتشرت في سائر المدن والأمصار الإسلامية كانت تعتمد اعتمادًا كبيراً على موارد الأوقاف.

كما تحدثت عن وفرة الأوقاف التي أنشئت خصيصاً لإنشاء المستشفيات والإنفاق عليها وإمدادها بالأدوية، ووسائل العلاج اللازمة.

وتحدث بعض الباحثين عن أنواع المراكز الصحية التي رعتها الأوقاف، فذكر منها ستة أنواع:

المستشفيات الكبيرة.

المراكز الصحية الصغيرة.

المستوصفات المتنقلة.

مستشفيات السجون.

الصيدليات ومخازن الأدوية.

المدارس الطبية التعليمية.

أ) المستشفيات الكبيرة

كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو “البيمارستان” الذي أمر ببنائه هارون الرشيد ببغداد، ومن المستشفيات التي أقيمت أيضاً ببغداد مستشفى السيدة أم الخليفة المقتدر بالله، ويسمى مستشفى “السيدة” افتتح في اليوم الأول من محرم 203هـ، كما أقام المقتدر مستشفى آخر ببغداد، وسمي المستشفى “المقتدري”، وتعددت المستشفيات الكبيرة وانتشرت حتى كان ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع خمسة مستشفيات.

وبلغ من عناية المسلمين بالرعاية الصحية وتطوير خدماتها، أن خصصت أوقاف لبناء أحياء طبية متكاملة. حدث ابن جبير في رحلته أنه وجد ببغداد حياً كاملاًً من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان، يتوسطه قصر فخم جميل وتحيط به الغياض والرياض والمقاصير والبيوت المتعددة، وكلها أوقاف وقفت على المرضى، وكان يؤمه الأطباء والصيادلة وطلبة الطب، إذ كانت النفقات جارية عليهم من الأموال الوقفية المنتشرة ببغداد.

وتحدثت كتب التاريخ عن المستشفيات التي أنشئت في مصر بفضل أموال الوقف، فذكروا منها مستشفى أنشأه الفتح بن خافان، وزير المتوكل على الله العباسي. ومستشفى آخر أسسه أمير مصر أحمد بن طولون، سمي باسمه، وحبس له من الأوقاف مايلزم للإنفاق عليه، وبنى فيه الحمامات للرجال والنساء. وكان من أشهر المستشفيات في العصر الأيوبي والمملوكي تلك التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي. وتحدث المؤرخون والرحالة عن المستشفى الذي أنشأه الملك قلاوون بمصر، وجعله وقفاً لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة: >إنه يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لايحصى<.

وكثرت المستشفيات والمنشآت الصحية بمدن الأندلس، ذكر بعض الباحثين أن مدينة قرطبة كان بها خمسون مستشفى، وقفها وأنفق عليها الخلفاء والأمراء والموسرون.

ونهضت الأوقاف بالرعاية الصحية في المغرب الأقصى كذلك، وأقيمت مستشفيات كبيرة في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، ومن أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس، أسسه السلطان يوسف بن يعقوب المريني، ووقف عليه عقارات كثيرة برسم النفقة عليه والعناية بالمرضى. ومن طريف ما ذكره المؤرخون أن جزءا من أوقافه كان مخصصا لعلاج طير اللقلاق، وجزءا للموسيقيين الذين يزورونه مرة كل أسبوع للترفيه عن المرضى.

ويذكر المؤرخون مستشفى آخر بمدينة مراكش أنشأه المنصور الموحدي.

ب) المراكز الصحية

وهي مراكز طبية تعنى بتقديم الخدمات الصحية لأهل حي واحد، وكانت تقام بجوار المساجد، أو قرب الجامع الكبير.

ج) المستوصفات المتنقلة، وهي نوعان:

الأول : عبارة عن فرق طبية متنقلة ترسل إلى الأماكن النائية في القرى والأرياف لتفقد الأحوال الصحية للسكان وعلاج المرضى، ويكثر هذا النوع في أوقات انتشار الأوبئة.

الثاني : عبارة عن مستشفيات عسكرية تنتقل مع الجيش الإسلامي وقت الحروب.

د) مستشفيات السجون

وهي مستوصفات ملحقة بإدارة السجون لتقديم الخدمات الصحية للمساجين والعناية بهم.

هـ) المستشفيات المتخصصة:

وإلى جانب الأنواع المتقدمة أنشأ المسلمون مستشفيات خاصة ببعض الأمراض، منها:

مستشفى الجذام، الذي كان يُجْمَعُ فيه المجذومون ويعزلون عن المجتمع، كي لاينتشر داؤهم إلى الغير.

و) مستشفيات المجانين وقد خُصِّصََتْ لعلاج هذا الصنف من المرضى.

ويجب أن نشير إلى أن الخدمات الصحية التي تقدمها هذه المراكز الطبية، من علاج وعمليات وأدوية وطعام، كانت مجاناً بفضل الأوقاف التي كان المسلمون يرصدونها لهذه الأغراض الإنسانية، إذ كانت الرعاية الصحية في سائر البلاد الإسلامية إلى وقت قريب من أعمال البر والخير، ولم تكن هناك وزارات للصحة العمومية كما في العصر الحاضر.

وكان للأوقاف أثر حميد في النهوض بعلوم الطب، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يقتصر على تقديم العلاج، وإنما تعدى ذلك ذلك إلى تدريس علم الطب، فكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.

الرعاية الاجتماعية

يعتبر الوقف الإسلامي الخيري دعامة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة من وسائل علاج مشكلة الفقر في المجتمع، فقد شُرِعََتْ الأوقاف ليكون ريعها صدقةً جارية لاتنقطع تدر الثواب المتصل على الواقفين، وعملاً صالحاً يدر الخير الوافر على المحتاجين والمستحقين.

إن الأوقاف قامت بدور كبير في مجال التضامن الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، لأنها، وإن تعددت جهاتها وأبعادها، تؤول إلى جهة بِرِّ لاينقطع، وهي في الغالب الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والغرباء والمنقطعون والضعفاء وذوو العاهات، وأصحاب الحاجات، والأطفال المحرومون… إلخ. لقد وجد هؤلاء جميعاً الرعاية التامة في ظل المجتمع الإسلامي بفضل المؤسسات الخيرية وأعمال البِرِّ الدائمة التي تدرها الأوقاف.

هذه الرعاية تعبير عملي عن روح التضامن الاجتماعي الحقيقي الذي غرسه الإسلام في النفوس، وجعله من أهم مرتكزات نظامه الاجتماعي. ويعد التضامن المرتكز على الوقف أرقى من نظام الضمان الاجتماعي المعمول به في العصر الحاضر بكثير، وذلك لأن الوقف عمل تطوعي، وصدقة مالية يؤيدها الأغنياء والموسرون للفقراء والمساكين والضعفاء، طلباً للثواب عند الله، وهو خدمة عملية للمحتاجين من الناس، وكذلك هو مورد دائم تستفيد منه أجيال كثيرة. وهو مستقل عن الأجهزة الإدارية  المركزية المعقدة.

كان الوقف هو الحجر الأساس الذي قامت عليه كل المؤسسات الخيرية في تاريخ حضارتنا الإسلامية، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أول من ضرب المثل الأعلى لأمته في ذلك، فوقف سبع بساتين كان أوصى بها يهودي من أهل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتصرف فيها كيف يشاء، فوقفها الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد موت اليهودي، على الفقراء والمساكين والغزاة وذوي الحاجات.

إن الرعاية الاجتماعية والبِرَّ بالفقراء والمساكين والمحتاجين مقصد من مقاصد الإسلام، أولاه القرآن الكريم عناية كبيرة، فَحَضَّ في  كثير من الآيات على الإحسان وإطعام المساكين، والإنفاق على الفقراء.

وبرز هذا المقصد في السنة النبوية كذلك، في الأحاديث التي تعد أصولا لتشريع الوقف، كما في قوله، صلى الله عليه وسلم: >إن مما يجني المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أو ولدًا صالحاً تركه، أو مصحفا وَرَّثَهُ، أو مسجدًا بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه بعد موته<.

وكما في حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: >يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به، قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف.

انطلاقاً من التوجيهات القرآنية التي تحض على رعاية حقوق الضعفاء والمساكين، ومن هذه الأحاديث التي برز فيها القصد إلى الرعاية الاجتماعية واضحاً، تتابع المسلمون، على مر الأجيال يحبسون الأراضي والعقارات والبساتين والغَلاَّت والدور لأعمال البر ونفع المحتاجين، مما ملأ المجتمع الإسلامي بالمؤسسات الخيرية.

ووجوه البر وأبواب الإحسان والرعاية التي نشأت في المجتمع الإسلامي بفضل الوقف كثيرة، فهناك أوقاف للّقطاء واليتامى لإيوائهم ورعايتهم وختانهم، وكانت هناك أوقاف مخصصة لرعاية المقعدين والعميان والشيوخ والعجزة، وأوقاف لإمدادهم بمن يقودهم ويخدمهم، وأوقاف لتزويج الشباب والفتيات ممن تضيق أيديهم وأيدي أوليائهم عن نفقاتهم، وفي بعض المدن دور خاصة حبست على الفقراء لإقامة أعراسهم.

وكانت هناك أوقاف لإمداد الأمهات المرضعات بالحليب والسكر، ويذكر المؤرخون بإعجاب شديد أن من محاسن صلاح الدين الأيوبي أنه جعل في أحد أبواب القلعة بدمشق ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزابا يسيل منه الماء المحلى بالسكر، تأتي إليهما الأمهات في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

وكانت هناك أوقاف لإنشاء دور للضيافة والاستراحة (الخانات)، وأوقاف لقضاء الديون عن المعسرين، وأوقاف للقرض الحسن، وأوقاف لتوفير البذور الزراعية، ولشق الأنهار وحفر الآبار.

ومن أهم المنشآت الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات الإسلامية، بفضل الاهتمام  بالوقف، أسبلة المياه الصالحة للشرب(السقايات) وكان من تقاليد الوقف أن تلحق الأسبلة بالمساجد، وغالباً ما تكون وسط المدينة أو على طرق القوافل، لتكون في متناول الجميع. وشاع الوقف لهذا الوجه من البِرِّ في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظيم فضلها وثوابها.

وهناك أوقاف مشهورة في التاريخ لتزويد مكة المكرمة بالماء الطاهر الطيب، أشهرها وقف السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد، ومازال يعرف بعين زبيدة.

إن كل هذه الأوقاف والمؤسسات الخيرية الاجتماعية الناشئة عنها، تدل على الدور الحيوي الكبير الذي قام به الوقف في مجالات الرعاية الاجتماعية وتوفير الأمن الغذائي وعلاج مشاكل الفقر، وتوفير الماء الصالح للشرب، وإطعام الفقراء والمساكين، وأداء الدين عن الغارمين وإنشاء صناديق القرض الحسن…إلى ما لايعد ولايحصى من وجوه البِرِّ والعمل الاجتماعي النافع الذي ينسج روابط المحبة وعلاقات التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع وطبقاته. فأين هذه الموارد التي كانت غزيرة ومتدفقة؟ وكيف تقلصت من مجتمعات المسلمين؟ أين الأيدي الرحيمة التي تمسح دموع اليتامى، وتصون الأرامل، وتعين المحتاجين، وتجعل المسلم أينما حل يشعر بالعزة والكرامة، وتجعل الأمة الإسلامية أمة واحدة متراصة، ينعم فيها الناس جميعاً بالأمن والخير والكرامة والسلام؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى