كتب

نظام الوقف الإسلامي


جهود متلاحقة لإصلاح العمل
في مجال الوقف وتطويره

من المسلم به أن نظام الوقف الإسلامي ظل يمثل على مدى ثلاثة عشر قرناً صورة من أروع صور التعاون الإنساني وينبوعاً فياضاً من ينابيع الخير، وعنصرا إيجابياً من عناصر التنمية الاجتماعية ومظهراً مشرقاً من مظاهر التعاون والتكافل الذي أرسى الإسلام الحنيف قواعده.

ومما يؤسف له أن بعض التصرفات والانحرافات السلبية، والمشكلات  العملية المتراكمة قد أحاطت بتطبيق هذا النظام فانحرفت به عن أهدافه النبيلة، واتخذه بعض المشرفين عليه أداة للاستغلال والعبث بالحقوق في سبيل أغراض شخصية.

تراكمت الآثار السلبية لهذه الانحرافات والمشكلات على مر العصور وتوالي الأجيال، حتى آلت حال الأوقاف في العصور الأخيرة إلى التدهور والجمود والإهمال، وتعرضت ممتلكاتها بسبب ذلك، إلى الانهيار والخراب، فقلت عائداتها وتضاءلت منافعها.

وقد استلزم هذا الوضع المتردي تفكيراً طويلا وبحثاً جاداً متواصلا عن الطرق والأساليب الناجعة لإصلاح نظام الوقف وبعث الحيوية والنشاط في مؤسساته، وتطوير أعمالها في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، بما يحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية ويساير متطلبات العصر، ويعيد للوقف قدرته على أداء دوره الإيجابي في عملية التنمية الشاملة التي تنشدها المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ومرت جهود الإصلاح هذه بمراحل يمكن إجمالها  فيما يأتي

1. المرحلة الأولى

بدأت جهود الإصلاح هذه في ظل الخلافة العثمانية، وبعبارة أدق، في أواخر عهدها، فبعد أن كثرت الأوقاف وتعددت أنواعها ومرافقها، وتكاثرت مشكلاتها، ظهرت الحاجة إلى إحداث تنظيمات إدارية واسعة تعنى بالإشراف على أملاك الوقف وأمواله، وتراقب مصادرها ومصارفها.وتطلب ذلك إنشاء أنظمة جديدة، وإصدار قوانين عديدة لتنظيم شؤونه وبيان أقسامه وطبيعة كل قسم منها، والأحكام الشرعية التي تتعلق به، ولايزال الكثير من تلك القوانين معمولا به في بعض البلاد الإسلامية حتى الآن.

شملت حركة الإصلاح هذه المناطق الإسلامية التي كانت آنئذ تابعة للخلافة العثمانية، ففي مصر بدأ إصلاح الأوقاف وأحدثت تنظيمات جديدة في مؤسساتها منذ عهد محمد علي باشا الذي كان أول من أدخل نظام الدولة الحديثة المقتبس من النمط الغربي، ففي سياق التنظيمات الإدارية والمالية والاجتماعية التي أدخلها على دولته  بمصر، عمد إلى تغيير نظام الأوقاف وأدمج أملاكها وأموالها في مالية الدولة، وتعهد بالإنفاق على المسـاجد والجهات التي كانت تستفيد من أموال الوقف، غير أن سياسته لم تنجح في إلغاء الوقف والسيطرة عليه، وذلك لشدة رغبة الناس فيه.

المرحلة الثانية

وفي عهد الاستعمار الغربي الذي بسط نفوذه على البلاد الإسلامية توقفت حركة إصلاح نظام الأوقاف، بل تعرضت لكثير من الضغوط والعبث والاستغلال، فازداد حالها سوء وتدهوراً، وبخاصة في الأقطار الإسلامية التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي.

نعم، لقد فهم المستعمرون، وهم يدرسون المجتمعات الإسلامية، ويبحثون عن مكامن القوة فيها، أن للوقف، والمؤسسات الدينية والاجتماعية التابعة له، فضلاً كبيراً في تركيز الروح الدينية والوطنية في المسلمين، وتوطيد روابط التضامن والتعاون بينهم.كما أدركوا أن أهم المؤسسات التي تدعم الطبقـــة المتعلمة الواعية في وقوفها في وجه سياسة الاستعمار وخططه هي المؤسسات التي تعتمد على الوقف كالمساجد والمدارس والزوايا والأربطة.

لهذا عمد المستعمر إلى التدخل المباشر في شؤون الوقف ومؤسساته، تحت ستار إصلاح إدارتها وتحديث أنظمتها، وكان هدفه الحقيقي هو الحد من الدور الإيجابي للوقف ومؤسساته، خاصة في تنشيط الوعي الوطني ودفع حركة مقاومة المستعمر.

وبسبب تزايد هذا التدخل، وانكشاف أهداف المستعمر ونواياه الخفية، تعالت أصوات المسلمين تدعو إلى الدفاع عن الأوقاف الإسلامية، ونجحت في حشد التأييد لدعوتها، وتجلى ذلك في >مؤتمر الدفاع عن الأوقاف الإسلامية< الذي عقد بسوريا عام 1353هـ، وكان الهدف منه هو الحد من تدخل المستعمر في نظام الوقف، وجعل إدارة شؤونه وتسييرها من اختصاص المسلمين.

المرحلة الثالثة

وبانتهاء عهد الاستعمار، دخلت البلاد الإسلامية عهداً جديداً من التطور السياسي والاجتماعي تمثل في نشوء نظام الدولة الوطنية الحديثة على النمط الغربي، وهو نمط جديد يقوم على اتساع نفوذ الدولة وتقلص دور المجتمع المدني، وحلول الدولة محله في الإشراف المباشرعلى الكثير من المرافق العمومية والاجتماعية كالتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والدينية.

في سياق هذه التحولات الجديدة تعرض نظام الوقف لتعديلات كثيرة، أهمها: في إطار إسناد إدارته والإشراف عليه إلى الإدارة الحكومية الرسمية في إطار وزارات خاصة به، تتولى إدارة أملاكه، والتصرف في أموره وتسييرها بأساليب إدارية حديثة.

وكانت تركيا أول دولة إسلامية تقوم بإلغاء النظام القديم للأوقاف ووضع ممتلكاته تحت الإدارة الحكومية الرسمية، وذلك عقب تعطيل نظام الخلافة الإسلامية مباشرة، أي في العشرينيات من هذا القرن. ثم اقتفى أثرها في ذلك التنظيم معظم الحكومات الإسلامية على تفاوت في الدرجات.

غير أن هذه التعديلات لم تنجح في إصلاح كل ما كان في نظام الوقف من عيوب  وماتراكم حوله من مشكلات، وهي كثيرة بعضها يرجع إلى شروط الواقفين، وبعضها إلى الإدارة والولاية، وبعضها إلى كثرة الأوقاف  الأهلية (الذرية) التي كانت مشكلاتها متفاقمة.

لهذا كله كثرت المناقشات والبحوث وتوالت الدراسات، من أجل إصلاح أوضاع الوقف وإيجاد الحلول المناسبة لمشكلاته. فألفت كتب، ونشرت مقالات. وكانت مصر سباقة في هذا الميدان، حيث ألَّفََ محمد قدري باشا كتابه:>قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف< الذي طبع سنة 1909م. كما نشر عدد من المقالات والبحوث في مجلة القانون والاقتصاد المـصرية مـا بين 1947-1931م.

وبحلول النصف الثاني من القرن العشرين كانت معظم البلاد العربية والاسلامية قد استقلت وأصدرت قوانين خاصة بتنظيم الوقف وجعله تحت إدارة الحكومية المركزية، ولكن التركيز الإداري كانت له درجات متفاوتة من بلد إلى بلد.

وتوالى صدور القوانين المتعلقة بهذا التنظيم الحديث في كل من مصر والأردن سنة 1946م، وفي لبنان سنة 1947م، وفي تونس سنة 1956م، وفي العراق سنة 1959م.

وفي سياق البحث في أوضاع الأوقاف ومشكلاتها بدا للباحثين أن الوقف الأهلي (الذري) كان مصدراً للكثير من المشكل. فبدأت حملات المطالبة بإلغائه وتصفيته، وامتدت لتعم معظم البلاد الإسلامية، وقامت باظهار العيوب والآثار الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي نشأت عن كثرة الأوقاف الأهلية، ومن تلك العيوب:

أ) أن الوقف الأهلي كان سبباً في عرقلة تداول الأموال، وهو ما ينافي مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة من نظام الميراث.

ب)أن تكاثر المستفيدين، بتوالي الأجيال، يؤدي إلى تفتيت الحصص، كما يجعل تلك الأوقاف منشأ للخلافات والنزاعات بين أبناء العائلة الواحدة.

ج) بث روح الكسل والبطالة في نفوس المستفيدين خصوصاً إذا كانت الحصص وافرة.

د) حرمان الإناث من حقوقهن، وهو أمر مخالف للشريعة الإسلامية وأحكام الميراث.

واستناداً إلى هذه العيوب صدرت قوانين إلغاء الوقف الأهلي(الذري) في عدد من الأقطار الإسلامية، ففي لبنان صدرت سنة 1947، وفي سوريا 1947م، ومصر 1952م، وفي العراق 1954م، وفي المغرب 1977م. وكانت هذه التنظيمات والتعديلات سبباً في تقليص دور الوقف ومؤسساته في التنمية الاجتماعية، فانحصر دوره، أو كاد، في رعاية المساجد وصيانتها، وفي بعض الأنشطة الدينية والثقافية. كما كانت سبباً في انقطاع الوقف بنوعيه الأهلي والخيري، وفي صمت العلماء والمفكرين عن الحديث عنه، والبحث في أبعاده وقضاياه.

المرحلة الرابعة

بدأت هذه المرحلة منذ سنوات قليلة، في ظل التوجهات الدولية المعاصرة، وفي ظل السياسة الرامية إلى إعادة الاعتبار للأنشطة الاجتماعية، وذلك بتشجيع المجتمع المدني ومؤسساته، على الإسهام في الأعمال الاجتماعية. في ظل هذه التوجهات عاد الحديث عن مؤسسة الوقف وبدأ البحث العلمي والأكاديمي حول تاريخه ودوره الاجتماعي والعلمي والتربوي في الحضارة الإسلامية، وعن الطرق والأساليب التي تجعله قادراً على أداء مثل هذا الدور الإيجابي من جديد في التنمية الاجتماعية التي تنشدها المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين، تزايد اهتمام المفكرين والباحثين بموضوع تطوير نظام الوقف وآفاق عمله، وشارك في هذا الاهتمام بعض المراكز والمؤسسات العلمية والمالية.

في سياق هذا الاهتمام عقدت الندوات العلمية، والحلقات النقاشية، ونظمت مسابقات دولية على صعيد العالم الإسلامي من أجل توجيه الأنظار إلى دور الوقف في التنمية:

ـ الندوة الأولى عقدت بالرباط (المغرب) سنة 1983، ونظمها معهد البحوث والدراسات العربية ببغداد ـ العراق، بالتعاون مع المنظمة العربية والثقافة والعلوم (أليكسوا) وكانت بعنوان:>مؤسسة الأوقاف في العالم العربي الإسلامي<.

ـ والثانية نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة سنة 1984، في حلقتين وباللغتين: العربية والإنجليزية، وكان موضوعها:>إدارة وتثمير ممتلكات الأوقاف<.

ـ والثالثة نظمها المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية باستنبول سنة 1992، وكانت بعنوان:>الآثار الاجتماعية والاقتصادية للوقف في العالم الإسلامي المعاصر<.

ـ والرابعة نظمتها وزارة الأوقاف الكويتية سنة 1993 وكانت بعنوان: >نحو دور تنموي للوقف<.

ـ والخامسة نظمها المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية ـ الأردن، في لندن سنة 1996، وكانت بعنوان >أهمية الأوقاف الإسلامية في عالم اليوم<.

ـ والسادسة نظمت بالقاهرة سنة 1997 وكانت عبارة عن حلقة دراسية حول موضوع >الأوقاف في فلسطين: الفرص والتحديات<.

ـ وفي سنة 1998 نظمت حلقة دراسية بتعاون بين المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل، ومركز دراسات الوحدة العربية: بلبنان، وكانت تحت عنوان:>نحو إحياء دور الوقف في التنمية المستقلة<.

ـ كما نظمت مسابقات علمية وأنجزت أطروحات جامعية، ونشرت مقالات ودراسات في عدد من المجلات، ومازال البحث متصلاً في هذا الموضوع.

هذه الأنشطة المتلاحقة تدل على تزايد الاهتمام بموضوع الوقف وآثاره في التنمية الاجتماعية، ومما يلفت الانتباه أن هذه الدراسات الحديثة لاتهتم بالأحكام الشرعية للوقف فحسب، كما كان شأن الفقهاء، بل تركز الاهتمام على بحث دوره في التنمية الاجتماعية.

وهذا توجه جديد في دراسة موضوع الوقف، لأن أكثر المؤلفين فيه قديماً وحديثاً هم الفقهاء. ومؤلفاتهم بطبيعتها قانونية تتعامل مع الجزئيات، ولاتدرس آثار الوقف الاجتماعية والاقتصادية، أو المؤرخون، وتعاملهم مع الوقف كان وصفياً ظاهرياً يصفون الحقائق ويسردونها سرداً، ولاتكاد تجد دراسة اجتماعية تحلل أبعاد الوقف وآثاره الحضارية، والحقيقة أن الباحثين الغربيين، وعلى رأسهم بعض المستشرقين سبقوا إلى دراسة الوقف الإسلامي من هذه الزوايا التي تهتم بأبعاده وآثاره الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بدأوا هذا البحث حينما كانوا يدرسون المجتمعات الإسلامية ويبحثون عن مكامن القوة فيها ومايزال مستمرا حتى الآن.

في هذا السياق يأتي عدد كبير من الدراسات التي أنجزت عن الأوقاف الإسلامية في أقطار شمال إفريقيا كالجزائر والمغرب وتونس، وفي أقطار الشرق العربي الاسلامي. منها على سبيل المثال:

ــ إسهام في دراسة الأحباس الجزائرية العامة، أطروحة لباحث فرنسي،(1950-Jensus. B.G).

ــ الأحباس أو الأوقاف أحكامها وفقهها، لباحث فرنسي اسمه 1895 MERCIER.

ــ  قانون الأحباس أو الوقوف لنفس الباحث 1899.

وكانت المدرسة الاستشراقية الفرنسية أكثر نشاطاً في دراسة هذا الموضوع، ولاتزال إلى اليوم تواصل نشاطها فيه، يشهد لذلك أنه في الوقت الذي نظم فيه المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية باستنبول ندوته سنة 1994 تحت عنوان: “الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للوقف في العالم الإسلامي المعاصر” في هذا الوقت بالذات كان المعهد الفرنسي بدمشق يستعد لإصدار دراسة جماعية بعنوان: >الوقف في العالم الإسلامي أداة سلطة سياسية واجتماعية<.

وهناك دراسات أخرى كثيرة لباحثين غربيين لايسمح مجال هذه الدراسة بسردها.

وتنبه الباحثون العرب إلى أهمية هذا الموضوع وحاجته إلى البحث والدراسة، بقصد إبراز دور مؤسسة الوقف وفضلها في بناء الحضارة الإسلامية. وبدأ الباحثون الجامعيون يعالجونه في رسائلهم وأطروحاتهم، ومن أهم الدراسات الجامعية التي أنجزت فيه:

ــ أطروحة محمد محمد الأمين، وموضوعها: >الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر< من سنة 923 – 648هـ<.

ــ أطروحة محمد عفيفي، موضوعها: >الأوقاف والحياة الاقتصادية في مصر في العصر العثماني<.

ـ  رسالة ماجستير لمحمد العمري قدمت إلى جامعة اليرموك بالأردن سنة 1990 عنوانها: >صيغ استثمار أموال الوقف<.

ـ رسالة جامعية بعنوان >أوقاف مكناس في عهد مولاي إسماعيل” أنجزتها الباحثة رقية بالمقدم وطبعتها وزارة الأوقاف المغربية سنة 1993.

وأحدث دراسة جامعية أنجزت في هذا الموضوع ـ حسب علمي ـ هي أطروحة الباحث إبراهيم البيومي غانم، وهي بعنوان:>نظام الوقف ومؤسساته في تاريخ مصر الحديث والمعاصر<. أنجزها سنة 1997م.

إلى جانب الجامعات هناك مؤسسات رسمية وغير رسمية تولي موضوع الوقف عناية خاصة. من هذه المؤسسات وزارة الأوقاف الكويتية التي ترعى مشروعاً لوضع رؤية استراتيجية للنهوض بدور الوقف، ويتضمن هذا المشروع خمسة محاور هي:

ـ وضع رؤية اجتهادية في المسائل الفقهية المعاصرة للوقف.

ـ تعميق الرؤية حول دور الوقف في العملية التنموية.

ـ الدعوة والإعلام لإحياء سنة الوقف.

ـ الاتجاهات المعاصرة في تطوير الاستثمار الوقفي.

ـ ملامح البناء المؤسسي لنظام الوقف.

ومن تلك المؤسسات: المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية.

ومن المؤسسات غير الرسمية مكتبة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الوقفية العالمية بدولة قطر التي أولت اهتماماً كبيراً لهذا الموضوع ورصدت جوائز قيمة لأحسن بحث في الوقف ودوره في التنمية. وقد نظمت مسابقة في هذا الموضوع سنة 1997م. وأعلن عن مسابقة أخرى في موضوع الوقف ودوره في التنمية برسم السنة الجارية: 1999، من تنظيم وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت.

تلك نظرة مختصرة عن الجهود التي بذلت وتبذل لإصلاح نظام الوقف وتطوير آفاق عمله، ويلاحظ أنها جهود قيمة، بيدأن الأهم هو أن يعم الاهتمام بالإصلاح والتطوير وتشارك فيه الحكومات ووزارات الأوقاف في العالم الإسلامي، وعلى كل فهذه الجهود تدل على أن ثمة إدراكاً ووعياً بأهمية نظام الوقف وضرورة إعادة النظر فيه، وتعميق البحث في أبعاده وآثاره الاجتماعية والاقتصادية المتشعبة، وفي طرق الاستفادة منه في دفع عجلة التنمية في المجتمعات الإسلامية.

تحليل نتائج بعض الندوات

تضم الندوات والدراسات الحديثة المتعلقة بالوقف بحوثاً قيمة، ونظرات صائبة، وأفكاراً جديدة، لكن المقام لايسمح هنا بالتحليل المفصل لتلك البحوث والأفكار. ومراعاة لذلك سأقتصر على تحليل نتائج ثلاث من الندوات التي اطلعت عليها. وهي ندوة جدة، وندوة الكويت، وندوة استنبول، وإنما اخترت هذه الندوات الثلاث لأمرين: الأول لأنها كانت في متناولي، والثاني لأنها أوثق اتصالا بالهدف المرسوم لهذه الدراسة.

1.5: ندوة >إدارة وتثمير ممتلكات الوقف< بجدة.

يمكن أن نصنف أهم القضايا التي أثيرت في هذه الندوة إلى ثلاثة أنواع:

الأول: يتعلق بتحديد طبيعة الوقف ومشروعيته.

الثاني: يختص بالحكم الشرعي لعدد من مسائل الوقف وقضاياه.

الثالث: يتعلق بكيفية تنمية ممتلكات الوقف وتثميرها في الإطار الشرعي.

أما النوع الأول فقد مضى الحديث عنه بالتفصيل في الفصل الأول من هذه الدراسة.

وأما النوع الثاني فهو خارج عن غرض هذا الكتاب.

وأما النوع الثالث : وهو الذي يتعلق بكيفية تنمية أموال الوقف واستثمارها وتطوير أساليبه فسيأتي مفصلا في الفصل الرابع من هذه الدراسة.

وفي هذه الندوة قدمت بحوث قيمة عن الاستثمار الذاتي أي الاستثمار الداخلي الذي ينجز بأموال الوقف ذاتهاوبحوث أخرى عن أساليب الاستثمار الخارجي،أي الذي ينجز بتمويل من جهة خارجة عن إدارة الأوقاف، وناقشت الندوة عددًا من الأساليب الاستثمارية التي يمكن أن تنجزها مؤسسة الوقف عن طريق التمويل الخارجي، وفي ختام مناقشتها أوصت باعتماد صيغتين فقط:

الأولى: هي ما سمي في الفقه الإسلامي بعقد >الاستصناع<، ويسمى في الاصطلاح القانوني بعقد المقاولة.

والثانية: هي المشاركة المتناقصة التي تنتهي إلى ملك الأوقاف.

واقترح بعض المشاركين صيغة جديدة سميت بسندات المقارضة، وبعد المناقشة أوصت الندوة بتجنب هذه الصيغة بسبب دخول بعض العناصر المخالفة للشريعة في صورتها التطبيقية.

وأنهت الندوة أعمالها باصدار التوصيات الآتية:

أولا: أن أفضل السبل لاستثمار الممتلكات الوقفية بالتعاون مع جهة ممولة حتى الآن هي:

ـ عقد الاستصناع.

ـ عقد المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

ـ قيام البنوك الإسلامية بعملية استثمار الممتلكات الوقفية في الدول التي هي في حاجة إلى استثمار أوقافها.

ـ دخول وزارات الأوقاف في البلدان الإسلامية التي تملك فائضاً في إيراداتها في استثمار أموالها في بلدان إسلامية أخرى في حاجة إلى أموال لاستثمار أوقافها.

ـ  قيام وزارات الأوقاف التي هي في حاجة إلى استثمار ممتلكاتها الوقفية بتوفير الضمانات الكافية لرؤوس الأموال المستثمرة وحمايتها وإعفائها من كافة الضرائب.

ثانياً: يقوم البنك الإسلامي للتنمية بالتعاون مع الجهات المختصة بالدراسات الميدانية في التنظيم الإداري بغية الوصول إلى تنمية فعالة للمتلكات الوقفية في مختلف الدول الأعضاء وتحديد المشاريع الاستثمارية للأوقاف في هذه الدول بالإضافة إلى تشجيع الباحثين على إجراء دراسات تتناول الوقف بصورة شاملة للنهوض به وفق المعطيات الشرعية والعلمية.

ثالثاً: ضرورة تأسيس منظمة إسلامية عالمية للوقف يكون البنك الإسلامي للتنمية عضوًا فيها، تقوم بالآتي:

ــ التنسيق وتبادل المعلومات وتحضير اللقاءات.

ــ البحث عن أنجع السبل لتثمير الممتلكات الوقفية.

ــ وضع السياسة العامة للهيئات الوقفية في البلدان المشاركة.

ـ تأسيس صندوق للمساعدات الاجتماعية يمول من فائض أموال الوقف العام غير المشروط.

رابعاً: يقوم البنك الإسلامي للتنمية بتنظيم حلقات دراسية مماثلة لهذه الندوة تتناول مختلف الجوانب كالتنظيم والتخطيط في الإدارات الوقفية.

خامساً: حث الهيئات الوقفية في الدول المشاركة على تخصيص وظائف تهتم بالنشاط الاجتماعي وتعمل على تنفيذ شروط الواقفين في أوجه الخيرات.

وبإمعان النظر في هذه التوصيات يظهر أن الندوة سعت إلى الإسهام الجدي في بيان أهمية الوقف وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، وفي تجديد طرق استثمار أمواله وتنميتها، باختيار أفضل الأساليب، وتوسيع دائرتها، والانفتاح على مصادر جديدة للتمويل، كالبنوك الإسلامية التي تتقيد في معاملاتها بالضوابط الشرعية، كما سعت إلى الخروج بالأوقاف الإسلامية من الحدود الضيقة التي فرضت عليها.

وفي هذا السياق دعت البنوك الإسلامية إلى استثمار الممتلكات الوقفية في الدول التي هي في حاجة إلى استثمار. كما دعت وزارات الأوقاف الإسلامية إلى فتح أبواب التعاون المثمر بينها. بأن تقوم الوزارات التي تملك فائضا في إيراداتها بالاستثمار في البلدان الإسلامية التي تحتاج إلى استثمار.

ومن أهم الأفكار الرائدة التي أوصت بها الندوة تأسيس منظمة إسلامية عالمية للوقف، ورسم إطار عام لأنشطتها وأهدافها، وهذه فكرة صائبة ظهرت الحاجة إليها بإلحاح في هذا العصر، بعد أن تزايدت المآسي والمظالم التي تتعرض لها الأقليات الإسلامية في بعض أنحاء العالم. ووجود مثل هذه المنظمة الإسلامية من شأنه أن يخفف من مأساة هذه الأقليات.

ومن أهم أفكار هذه الندوة أيضاً دعوة مؤسسات الوقف إلى زيادة العناية بالنشاط الاجتماعي، وتستمد هذه الفكرة أهميتها من الظروف السياسية والاجتماعية الراهنة، بعد أن شرع الكثير من الحكومات في التخلص من أعباء الخدمات الاجتماعية، ففي ظل هذه السياسة بدأت الأنظار من جديد، تتوجه إلى الأوقاف لإحياء وظائفها الاجتماعية.

2.5 ندوة  الكويت >نحو دور تنموي للوقف<.

اشتملت أعمال الندوة على محورين كبيرين:

الأول: يضم مجموعة من الدراسات التي عالجت أبعاد الوقف ودوره في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

الثاني: عبارة عن عروض تناولت تجارب الدول المشاركة في إدارة الأوقاف وتنظيم أجهزتها، وخلصت الندوة إلى عدد من التوصيات أهمها:

ـ التخطيط لإشاعة الوعي بأهمية الوقف في التنمية الشاملة، وذلك بإبراز دوره التاريخي في صناعة الحضارة الإسلامية، ومميزات دوره التنموي في واقعنا المعاصر، وتجديد نظم إدارته وأجهزة الرقابة عليه.

ـ إبراز الطابع أو الخصوصية الإسلامية للتنمية، بواسطة مؤسسات الوقف الإسلامية من حيث أنها تنمية للجانب المادي في الواقع، وأيضاً تزكية للنفس وتطهير للمال.

ـ الاهتمام بدراسة العوامل السلبية التي طرأت على الوقف ومؤسساته في القرون الأخيرة.

ـ  الحاجة إلى ضبط تشريع إسلامي لأحكام الوقف كلها ضبطاً يأخذ بمختلف المذاهب الإسلامية، ويراعي حاضرنا المتطور، ويرجح من الأحكام القديمة والاجتهادات ما يحقق المصلحة الإسلامية المعتبرة، على أن يشترك في ذلك علماء الشريعة والاقتصاد.

ـ تنمية دور الأمة في مؤسسات الوقف إدارة ورقابة وتخطيطاً، لتعود هذه المؤسسات إلى الصورة التي كانت لها في تاريخنا الحضاري.

ـ توسيع مفهوم الوقف كي لايحصر في العقارات فقط كما كان في القديم، وذلك  ليشمل المشاريع الزراعية والصناعية والتجارية التي تحقق عائداً أفضل يخدم أهداف الوقف، ويؤمن فرص عمل لأفراد الأمة.

ـ  السعي لإنشاء مؤسسات وقفية متخصصة بواسطة تبرعات صغيرة، لإنشاء وقفيات للإنفاق على علاج المرضى، وأخرى للتعليم الديني، وثالثة للدعاة ورابعة للبحث العلمي والثقافي، وأخرى للمضاربة الشرعية التي تمكن الشباب الأجراء من أصحاب الخبرة كي يصبحوا أرباب عمل، وأخرى لتسديد الديون التي ترتبت على المنتجين والمصدرين تشجيعا لهم.

ـ  دعوة مراكز أبحاث الوقف والدراسات الاقتصادية إلى الاستفادة من تجارب مؤسسات الوقف الإسلامية والخيرية غير الإسلامية، والاستفادة من خبرات المعنيين بشؤون الوقف مفكرين واقتصاديين ورجال أعمال.

ـ دعوة المجامع الفقهية الإسلامية ومجامع البحوث الإسلامية والاقتصادية وأقسام الدراسات العليا إلى إيلاء قضية الوقف ودوره التنموي ما تستحقه من اهتمام.

ـ استحداث  سبل وصيغ لاستثمار أموال الوقف من أجل تأمين دخل مرتفع، وعدم الجمود عند الصيغ التقليدية القديمة.

هذا مجمل توصيات هذه الندوة وهناك توصيات أخرى وافقت فيها هذه الندوة ندوة جدة السابقة، لا داعي لإعادتها.

وبإمعان النظر في بحوث هذه الندوة ونتائجها يظهر جلياً أن المشاركين على وعي تام بالدور الكبير الذي قام به الوقف في الحضارة الإسلامية سابقاً، ويستطيع أن يقوم به في الواقع المعاصر، ولذلك كانت توصيات الندوة منصبة على الدعوة إلى إيجاد الشروط الضرورية للنهوض بمؤسسة الوقف، وجعلها قادرة على أداء دورها الإيجابي في التنمية الشاملة.

في هذا السياق تندرج الدعوة إلى إشاعة الوعي بأهمية الوقف وبدوره التاريخي في صناعة الحضارة الإسلامية، وإلى وجوب دراسة العيوب والعوامل السلبية التي طرأت على نظام الوقف وعاقته عن أداء رسالته كاملة، وإلى ضبط أحكامه الشرعية وقوانينه والاجتهاد في ترجيح مايناسب العصر، منها ومايخدم مصلحة الوقف والمستفيدين منه وما يلائم حاجات المسلمين.

ومن الأفكار الجديدة الرائدة التي برزت في هذه التوصيات، فكرة إنشاء مؤسسات وقفية متخصصة للإنفاق على المرافق العامة ذات الأولوية كعلاج المرضى والتعليم الديني والبحث العلمي، ومساعدة الشباب العاطل. ولاشك أن تنفيذ هذه الأفكار سيسهم في حل أكبر المعضلات الاجتماعية التي تواجه عدداً من الحكومات والشعوب في العالم الإسلامي، ومنها البطالة والفقر.

ومن تلك الأفكار الجديدة دعوة المجامع الفقهية وأقسام الدراسات العليا إلى إيلاء الوقف ما يستحقه من الاهتمام.

كل هذه الأُفكار تعكس وعياً حقيقياً بأهمية الوقف وبأبعاده الكثيرة، وبالدور الإيجابي الذي يستطيع أن ينهض به في العالم الإسلامي المعاصر، كما تعكس إحساسا ورغبة صادقة في الإسهام في تطوير آفاق عمله، وتجديد أنظمته ومؤسساته.

3.5 :ندوة >الوقف في العالم الإسلامي المعاصر: الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية<.

صدرت أعمال هذه الندوة في كتاب في إطار منشورات المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية  سنة 1994، وشارك فيها باحثون من بلدان إسلامية وغير إسلامية، وتناولت عدداً من المسائل المتعلقة بالوقف، مؤسسة ونظاماً وأوضاعاً وتاريخاً، ولاسيما في العقود الأخيرة.

يتكون الكتاب  من محاور أربعة: المحور الأول يدورحول الأوقاف في العهد الأخير للدولة العثمانية وفي تركيا المعاصرة، أما المحور الثاني فيضم أبحاثاً جاءت ضمن عنوان عريض، هو >العالم العربي وإسرائيل<، والمحور الثالث كان عن دول البلقان التي كانت سابقاً في ظل الحكم العثماني، أما المحور الرابع فتناولت أبحاثه جزءا من العالم الإسلامي الذي كان تابعا للاتحاد السوفياتي قبل انهياره. هذا إلى جانب موضوعات أخرى تناولت تأثير الوقف على جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية لبعض الفئات الاجتماعية والطوائف كالحركات الصوفية، وسكان الأرياف، أوفرقة الانكشارية في فترة سابقة، كما تناولت بعض الأبحاث الوقف الذي كان خاصاً بالأسطول في الجيش العثماني، والوقف في الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي.

وتبرز هذه الندوة في الحقيقة اهتمام المدرسة الاستشراقية الفرنسية بدراسة الأوقاف باعتبارها من أهم سمات المجتمع الإسلامي حتى القرن العشرين. كما تبرز حرص إسرائيل على المشاركة الفعالة في المؤتمرات الدولية، إذ شارك فيها باحثان إسرائيليان من جامعة القدس، أما المشاركة العربية فكانت قليلة.

إن هذه الندوات المهمة أثارت العديد من التساؤلات حول إمكانية عودة نظام الأوقاف من جديد للقيام بدوره في الحياة الاجتماعية المعاصرة، ولاسيما مع الاتجاه السائد في بعض الدول لترك هامش لتحرك بعض الأفراد في مجال العمل الاجتماعي بتقديم خدمات اجتماعية تعجز الدولة عن الوفاء بها. كما طرحت تساؤلات قديمة حول مشروعية وقف النقود، وحول ظاهرة إنشاء بنوك للأوقاف وحول تنظيم إدارة الأوقاف واختلافه بين بلدان العالم الإسلامي، وأخيرا أبرزت مدى حاجة المدرسة التاريخية العربية إلى الاهتمام بدراسة الأوقاف.

تلك نبذة موجزة عن أعمال أهم الندوات الكبرى التي نظمت في السنوات الأخيرة لبحث موضوع الوقف، ويستفاد من عرض موضوعاتها أن كل ندوة ركزت على جانب خاص. فقد ركزت ندوة جدة على طرق استثمار أموال الوقف وإدارتها، وندوة الكويت ركزت على دور الوقف في التنمية، أما ندوة استانبول فقد ركزت على الوقف في البلاد التي كانت تابعة للحكم العثماني.

إلى جانب هذه المحاور الكبرى تناولت بعض بحوث هذه الندوات الأبعاد الدينية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للوقف، وسنفرد لتحليل هذه الدراسات الفصل الثالث من هذه الدراسة.

حاجة العالم الإسلامي المعاصر إلى مؤسسة وقفية عالمية

إن العالم الإسلامي المعاصر يحتاج اليوم، في ظل النظام العالمي الجديد، إلى تعاون أوسع وتآزر أكبر، وإلى تضافر الجهود المتناثرة لمواجهة التحديات الكبرى التي يواجهها، ولموازنة الضغوط الكثيرة التي يتعرض لها.

إن كثيراً من المجتمعات الإسلامية تعاني من قلة الإمكانات، وتواجه كثيراً من المشكلات التي تعوق طريقها نحو التنمية والتقدم، وإن كثيراً من الأقليات والجاليات الإسلامية في أنحاء العالم تواجه مشكلات كبيرة في الحفاظ على هويتها وتربية أبنائها وحماية أسرها من الغزو الفكري والثقافي، ومن الأخطار التي تهدد وجودها.

كل هذه المشكلات وغيرها تستلزم تضافر جهود الأمة الإسلامية لمعالجتها أو التخفيف منها، وإن مؤسسة الوقف لقادرة على أن تسهم في ذلك إذا نَسَّقت جهودها ونظمتها في شكل مؤسسات إقليمية أو عالمية كبرى تنظم الجهود المتناثرة وتوجهها لمصلحة البلدان الإسلامية أو الجاليات الإسلامية التي تحتاج في مواجهة ظروفها ومشكلاتها إلى مساعدات كبيرة قد لاتنهض بها المؤسسات والجمعيات الخيرية متفرقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى